
كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في مؤتمر تجمع العلماء المسلمين لدعم الانتفاضة المريديان – الحمراء 9/1/2002
ينعقد هذا المؤتمر كشكل من أشكال الدفاع عن القدس المهددة بالتهويد والمسجد الأقصى المهدد بالهدم ، وكشكل من أشكال الدعم والتضامن مع مقاومة وانتفاضة الشعب الفلسطيني .
لقد أثبتت تجارب الخمسين سنة الماضية أن الطريق الوحيد لتحرير الأرض والمقدسات هو طريق الجهاد والمقاومة، وأي نقاش حول هذا الأمر هو نقاش على سبيل المكابرة وعدم الإذعان للحق.
في المقابل نجد أن رعاة وحماة الكيان الصهيوني الغاصب منذ تأسيسه وإلى اليوم يبذلون جهوداً مضنية على المستوى العالمي والدولي والدعم المباشر للحفاظ على هذا الكيان وتطويره وتقويته وضمان تفوقه على كل شعوب ودول العالم العربي والإسلامي .
ومن الطبيعي أن يعملوا أيضاً منذ اليوم الأول للقضاء على أي مقاومة ، لمواجهة أي شكل من أشكال المقاومة، لأن المقاومة وحدها هي التي تشكل التهديد لهذا المشروع الاستكباري الصهيوني ، وهي السلاح الوحيد المتاح بين يدي هذه الأمة للدفاع عن كرامتها واستعادة مقدساتها.
لذلك على امتداد الصراع ، ومنذ أن كانت هناك بدايات مقاومة وإلى اليوم، فإن البرنامج الاستكباري والصهيوني في مواجهة هذه المقاومة هو : هو. كانوا يعملون على قتل قادة المقاومة وكوادرها ومجاهديها أو الزج بهم في السجون،على محاولة عزل المقاومة عن شعبها والإيقاع بينها وبينه وتقديمها كمجموعة خارجة عن إرادة شعبها وعن النظام العام .. محاولة جر المقاومة إلى التقاتل الداخلي مع أي طرف آخر وإلهاءها عن معركتها الأساسية. محاولة اشغال المقاومة بملفات داخلية معقدة ومؤلمة تستنزف جهودها وإمكانياتها على هذا الصعيد . تجفيف مصادر تمويل ودعم المقاومة وإرهاب أولئك الذين يقدمون لها الدعم المعنوي أو المادي أو الحماية أو تأمين المأوى أو الملجأ وصولاً إلى التشكيك بجدوى المقاومة .بل أكثر من ذلك ، الوصول إلى مرحلة اتهام المقاومة بأنها تضر بقضية الأمة وقضية الشعب وقضية المقدسات.
في الأسابيع الماضية، عادت بعض الأقلام لتتحدث عن أضرار عمليات المقاومة الفلسطينية. وهذا أيضاً كنا في لبنان قد اعتدنا على قراءته وسماعه على مدى ثمانية عشر سنة. اتهام المقاومة بالإرهاب خصوصاً بعد أحداث 11 أيلول وشن حملة ترهيب عالمية على حركات المقاومة لتعطيلها وفرض الاستسلام عليها . والشكل القاسي لهذا الأمر هو أن يزج بقادة المقاومة ومجاهدوها في السجون ، والشكل المتحضر هو أن يدعى أهل المقاومة إلى التخلي عنها والدخول في الحياة السياسية والتحول إلى حزب سياسي كما يطرحون علينا في لبنان.
من خلال كل التجارب الماضية ، أقول بكل ثقة واطمئنان : يمكن مواجهة هذا البرنامج، من خلال الحكمة والإخلاص والثبات والوعي ، وقبل كل شيء التوكل على الله سبحانه وتعالى.
ما أود أن أركز عليه ، يتصل بالجانب الأخطر والذي يُخشى منه على المقاومة وهو ما يمكن مواجهته فقط من خلال السادة العلماء ، وهو العمل على ضرب روح المقاومة .
في العقدين الماضين برزت المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين كحالة مواجهة وتحدي مؤهلة لتحقيق انتصارات حاسمة، وتحقق هذا الانتصار بنسبة كبيرة في لبنان ،وفي فلسطين المقاومة على طريق الانتصار إنشاء الله . المقاومة الإسلامية في لبنان وفلسطين ، هي مقاومة تنتمي إلى الإسلام ، إلى الإيمان ، إلى التكليف الشرعي ، إلى الفتوى ، إلى الدين. هذا هو مضمونها الحقيقي. وهي استطاعت أن تحل عقدة الخصام بين ما هو ديني ووطني وقومي لتؤكد انتمائها الوطني والقومي في إطار انتماءها الواسع والكبير أعني الانتماء الإسلامي. ونحن لم نواجه مشكلة من هذا النوع ، وهذه نقطة تم تجاوزها.
روح المقاومة إذاً ، هي روح إسلامية إيمانية عقائدية . المقاومة قبل كل شيء هي هؤلاء الشباب المجاهدون الذين يحملون البنادق ويقاتلون ويقتحمون المواقع أو ينفذون الأعمال الاستشهادية. خارج هؤلاء الشباب ، كلها عناوين منتزعة . وعندما نأتي إلى هؤلاء سنجد أن المجاهد في هذه المقاومة ميزته الرئيسية أنه يؤمن بالله ويلتزم أمره بالجهاد ويقاتل في سبيله ويعشق لقائه ويتمنى الشهادة ويتطلع إلى الآخرة ويزهد في الدنيا . هذا الإيمان وهذه المعرفة يولدان فيه عزماً لا يلين وقدرة لا تتصور على مواجهة الصعاب وتحمل الآلام.
عندما يأتي بعض العلماء أو بعض الأصوات ويوظف مواقع علمية ودينية رفيعة وفضائيات ووسائل إعلام كبرى وهامة وقادرة ليقال أن العمليات الاستشهادية حرام ، أن العمليات غير الاستشهادية في هذه الظروف حرام ، أن مواجهة إسرائيل في مثل هذه الأوضاع هو إلقاء للنفس في التهلكة وإلقاء للأمة في التهلكة والتضحية بالأمة ومكتسباتها ووجودها . عندما يقال هذا ، هنا، تؤتى المقاومة من المكان الأخطر.
أقول بكل صراحة : المجاهد لا يتخلى عن المقاومة لو قتلوا عائلته وألقوه في غياهب السجون وجلدوه بالسياط وهددوه بالقتل ، ولكن لو جاءوا بالعلماء وقالوا لهذا المجاهد ، أن هذا الطريق الذي تسلكه لا يؤدي بك إلى الجنة وهو ليس في رضا الله ، فسيتخلى عن المقاومة.
يمكن أن تصدر غداً فتاوى تبرر الاعتراف "بحق" "دولة إسرائيل " في الوجود .بكلمة واضحة وموجزة: الدين، الإيمان، عشق لقاء الله هو الذي صنع المقاومة . أخطر سلاح يمكن ان يشهر في وجه المقاومة هو سلاح الدين والفقه والفتاوى ، وأي سلاح آخر هو سلاح مهزوم ، لا يستطيع أن ينال من إيمان هذه المقاومة والتزامها .
هذا الأمر يحتاج إلى معالجة ، ولذا قلت هذا من اختصاص هذا المؤتمر . أحياناً قد نقف ونقول هذه فتاوى سياسية ، أو هؤلاء وعاظ سلاطين ، هذا لا يكفي ، نحن بحاجة إلى معالجة علمية لأنه قد يقال في المقابل أيضاً ، عندما يقف العلماء ليتحدثوا عن المقاومة والجهاد والصبر والصمود ، أن يقال لهم أيضاً هذه هي فتاوى سياسية .
نحن بحاجة إلى فتاوى مخلصة صادقة تستند حقاً إلى كتاب الله وسنة رسوله (ص) . نحن طلاب حق ، طلاب آخرة ، ومريدو لقاء الله عز وجل، وبالتالي ، لا يصح منا أن نأخذ موقفاً مسبقاً ونفتش له عن فتوى . فإذا كنا نريد أن نقاتل مثلاً فنحن نفتش عن الفتوى التي تجيز لنا القتال ، أو نريد أن نستسلم فنفتش عن الفتوى التي تجيز لنا الاستسلام . هذه ليست عبودية لله عز وجل . الدين، أن أذهب حيادياً في الحقيقة ، وأن أقف أمام حكم الله مسلماً ، إن أمرني الله سبحانه وتعالى بأن أقاتل ، أقاتل ولو واجهني العالم كله ، وإذا أمرني الله سبحانه وتعالى بأن أهدأ ، فأهدأ ولو اتهمني العالم كله.
إن أهم ما يمكن أن يحققه مؤتمركم الشريف هذا هو أن يحمي روح المقاومة.
اليوم هناك الكثير ، الكثير من الخير في هذه الأمة. البعض يقف ليتحدث ولا يجد أمام عينيه سوى الظلام والسواد والعتمة، هذا خطأ. حتى هذه الشدة التي ترون، فيها الكثير من الإيجابيات وعلامات الفرج . كلنا يعرف أن إسرائيل هي ربيبة الولايات المتحدة الأميركية ، وكلنا يعرف أن مأساة العرب والمسلمين بالدرجة الأولى هي من الولايات المتحدة الأميركية، وأن إسرائيل لا يمكنها أن تستمر في الوجود شهراً واحداً لولا الولايات المتحدة الأميركية.
لو أتينا نحن ، العلماء وأبناء الحركات الإسلامية والوطنية والعروبية والقومية ، لننفق مليارات الدولارات على تعبئة فكرية وثقافية وإعلامية واجتماعية على امتداد العالم الإسلامي، لاحتجنا إلى مئات مليارات الدولارات وإلى عشرات السنين لنصل إلى ما وصلنا إليه الآن بفعل العدوان الأميركي . أي أن أميركا بعد 11 أيلول من خلال صلفها وعدوانها ووحشانيتها في أفغانستان وطريقة تعاطيها مع حلفائها وممارستها للهيمنة المفضوحة والمكشوفة على هذا العالم ، أقدر أنه على امتداد الأمة وشعوبها وحتى الحكومات والنخب ، ما تحصل من وعي سياسي في فهم الموقع الأميركي والدور الأميركي والمشروع الأميركي على مستوى الوعي ، وما تحصل من عداوة لسياسة الولايات المتحدة الأميركية ، ما كان لأن يتحقق لو بذلنا مليارات الدولارات لتعبئة الناس وتوضيح الحقائق . الأميركيون أنفسهم من خلال قتلهم للأسرى في قلعة غانجي وإصرارهم على تدمير القرى الأفغانية في كل يوم وانحيازهم المطلق لإسرائيل. هم يقدمون لإسرائيل في كل سنة 3 مليارات دولار مساعدات اقتصادية وعسكرية ، يعطوها خمسين طائرة من أحدث طائرات سلاح الجو الأميركي ، أم الفلسطينيون إذا أرادوا الحصول على قطعة سلاح فتقوم الدنيا ولا تقعد.
المطلوب أن نكسر حاجز الخوف حتى يعبر هذا الوعي وهذه العاطفة عن نفسيهما في الموقف ، وهذا ما يتطلب من السادة العلماء ومن أبناء الحركة الإسلامية على امتداد العالم أن يقفوا ويقولوا الحق . نعم ، نحن بحاجة لنعيد الواضحات ، بعد 11 أيلول والتحولات الكبرى التي حصلت في العالم والمقولات التي يطرحها الأميركيون ويفرضونها على العالم ، على كل مسلم أن يقف ليجدد إسلامه وليجدد بيعته لله ورسوله وقرآنه ودينه والمقدسات.
واليوم ، الكلام غير الكلام ، قبل 11 أيلول تكتب مقالة أو تقف على المنبر أو تعبئ الناس بأن أصل وجود "إسرائيل " غير شرعي وغير قانوني وظالم ، لكن بعد 11 أيلول هذا له ثمن . فعندما كان الكلام بلا ثمن كنا نقوله وعندما أصبح الكلام بثمن نتخلى عنه بحجة أن هذا كلام قديم ؟! لا ، كل كلام قيل قبل 11 أيلول يجب أن يُعاد بعد 11 أيلول ليعلم الأميركيون أن دين هذه الأمة وحقها ومقدساتها وطريقها هو هذا لم يتغير ، ولا يمكن أن يغيره أحد في هذا العالم .
المهم أن نكسر حاجز الخوف وأن نعطي لأمتنا ما تحتاجه وهما أمران : وضوح الرؤية والعزم والإرادة .
وفي نهاية المطاف ، أود أن أؤكد ، كونوا على ثقة بأن هذه المقاومة لا يمكن أن يوقفها أحد، لا في لبنان ولا في فلسطين . وهذا ليس أمراً سياسياً ، هذا أمر إلهي ، وهذا ليس أمر إلهي تشريعي ، هذه مشيئة إلهية. لو تخلت حركات المقاومة في هذه المنطقة عن المقاومة لجاء الله سبحانه وتعالى بقوم يحبهم ويحبونه ليحملوا هذه الراية وليتابعوا هذا الطريق، لو ألقوا بالجميع بالسجون ، لو استطاعوا أن يسقطوا البعض في وسط الطريق بالترهيب أو بالترغيب . إن مشيئة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن ترتفع هذه الراية ولن تسقط هذه الراية إلى الأرض ، هذه الراية لن تجدوها خفاقة إلا في أعالي القمم وعلى قبة المسجد الأقصى إنشاء الله . لو وقعت من يدي قائد شهيد ستقع في يد قائد آخر ، ولو تركتها جماعة لانتقلت إلى جماعة.
بالرغم من كل ما حصل ، تجاوزت الأمة المرحلة التي يمكن لقوى الاستكبار وللتطورات العالمية أن تقضي على روح المقاومة . انظروا إلى فلسطين ، ليس أمر بسيطاً أن ينفذ خلال سنة واحدة ما يزيد على 35 أو 40 عملية استشهادية . في الأيام الأخيرة عندما قامت قيامة شارون، ليس أمراً بسيطاً أن يقدم الفلسطينيون تسعة استشهاديين خلال ثلاثة أيام. هذه الروح لا يمكن مواجهتها وهزيمتها. علينا متابعة هذا الطريق وتحمل مسؤولياتنا ، وأن توصيات المؤتمر ستكون بالتأكيد مفيدة لنا وللمسلمين.