
كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في المؤتمر الإعلامي لرؤساء وممثلي وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في العالمين العربي والإسلامي لدعم الانتفاضة 17-9-2003
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد بن أبي عبد الله وعلى آله الطيبين وصحبه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين.
أصحاب الدولة والمعالي والسماحة والسيادة، الأخوة والأخوات رؤساء وممثلي وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء في العالمين العربي والإسلامي، الحفل الكريم السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته.
لا بد في البداية أن نتوجه بالشكر إلى فخامة رئيس الجمهورية العماد إميل لحود ممثلاً بالأخ العزيز معالي وزير الإعلام على رعايته الكريمة لهذا المؤتمر ولأعمال هذا المؤتمر ولكل السادة والسيدات الأعزاء الذين شاركونا جلستنا الافتتاحية وكذلك لممثلي وسائل الإعلام على المشاركة في المؤتمر وتلبية هذا النداء وهذه الدعوة، وأنتهز هذه الفرصة أيضاً لأوجه لكم الشكر على كل المساندة والمواكبة والدعم الذي قدمته وسائل الإعلام في العالمين العربي والإسلامي وطوال سنوات المقاومة للمقاومة في لبنان وللشعب اللبناني ولكل لبنان في مواجهته الجهادية الدامية مع العدو الإسرائيلي والمظفرة والمنتصرة في نهاية المطاف، وعلى مساندتكم الدائمة لانتفاضة شعبنا المجاهد والمضحي في فلسطين ومواصلة هذه المساندة.
يأتي هذا المؤتمر في مرحلة دقيقة وحساسة جداً ومصيرية بالنسبة للشعب الفلسطيني، ومرحلة الصراع التي وصلنا إليها الآن في المنطقة وعلى أرض فلسطين بشكل أساسي. وهناك مؤشرات مهمة و كبيرة وخطيرة يمكن أن نراها خطيرة من زاوية، ولكن يمكن أن نراها أيضاً مهمة وعظيمة من جهة أخرى. وما شهدناه خلال الأسابيع القليلة الماضية من تصاعد الانتفاضة وحدة المواجهة مع العدو وتصاعد العدوان الإسرائيلي وصولاً إلى مرحلة يُعلن فيه العدو حربه على كل الشعب الفلسطيني، على كل فصائل الشعب الفلسطيني، يتجاوز كل الخطوط الحمراء، يقصف بالطائرات بيوت ومنازل القياديين في المقاومة وفي مقدمتهم سماحة الأخ المجاهد الكبير الشيخ أحمد ياسين ويصل الأمر أن يقصف بطائرات الـ "أف 16" منزلاً مليئاً بالنساء والأطفال كما حصل بالنسبة للأخ الدكتور محمود الزهّار، أيضاً في الأيام القليلة الماضية أن يصل الأمر إلى حد إعلان حكومة العدو قراراً بإبعاد رئيس السلطة الفلسطينية السيد ياسر عرفات، هذا يعني في بعض مؤشراته أن شارون وحكومته قد وصلا إلى مرحلة اليأس، اليأس من إمكانية الرهان على الصدام بين السلطة والمقاومة في فلسطين. وأنا برأيي، هذا هو أهم انجاز يمكن ان يفتخر به الشعب الفلسطيني في هذه الأيام لأن حلم إسرائيل وحلم الإدارة الأميركية ورهانهما طوال السنوات الماضية وما زال هذا الرهان مطروحاً بشكل أو بآخر هو أن يقع الصدام بين الفلسطينيين أنفسهم وأن تقاتل السلطة المقاومة. وأقول لكم، ونحن اللبنانيون نعرف هذه التجربة، العدو مهما كان قوياً عندما يواجه مقاومة شعبيةً تملك المبادرة وروح التضحية وصدق وإخلاص وطيبة الناس العاديين من الرجال والنساء هو أعجز من أن يُلحق الهزيمة بالمقاومة فيتوسل بالسلطة. في لبنان كان المطلوب من السلطة أمام عجز إسرائيل عن سحق المقاومة أن تقوم هي بهذه الوظيفة ولم يحصل. وفي فلسطين الأمر المطروح هو نفسه. هذا جانب مهم ومتقدم جداً، ولكن في نفس الوقت عندما يتصاعد هذا الصراع إلى هذا المستوى يعني أن الأمة يجب أن تستنفر حكوماتها، أنظمتها، شعوبها، قواها الحيّة، ومن جملة قواها الحيّة مؤسساتها الإعلامية لحماية الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة الخطيرة التي وصل فيها الصراع والتحدي والصدام إلى هذا الحد الكبير.
المسألة الأساسية التي أريد أن أطرحها، وأتصور أننا بحاجة إلى جهد فكري وثقافي وسياسي وإعلامي لمناقشة هذه الفكرة وتثبيتها وقبولها وتعزيزها وتكريسها وتثقيف أمتنا بها في زمن تراجعت الاهتمامات ذات البعد الإنساني، ذات البعد الإسلامي بمعنى العالم الإسلامي وحتى ذات البعد القومي بمعنى الانتماء إلى القضايا العربية لينشغل شعب كل قطر وبلد ووطن بهمومه الوطنية. عندما نقف إلى جانب شعب فلسطين في كل السنوات الماضية أو نقف إلى جانبه الآن وفي المستقبل، نحن نؤدي واجباً إيمانياً، المؤمنون برسالات السماء، المؤمنون بالله، يؤدون واجباً إيمانياً ودينياً، يؤدون واجباً إنسانياً. يؤدون واجباً قومياً إذا كان ما يجري على الأمة يعنيهم وهذا واجب يجب أن نتمسك به، ولكن إذا كانت هذه الدوافع والقيم والمعاني قد تراجعت بنسبة كبيرة في بلداننا وفي أقطارنا وفي عقولنا وفي دوافعنا وفي حساباتنا، أنا، أدعو إلى مناقشة من نوع آخر تقول: إن المصالح الوطنية اللبنانيين، والمصالح الوطنية السورية، والمصالح الوطنية الأردنية، والمصالح الوطنية المصرية، والمصالح الوطنية لكل بلد عربي ومسلم، ومصالح الأمن الاستراتيجي والقومي لكل وطن وقطر عربي ومسلم تقتضي أن يقف مع الشعب الفلسطيني وإلى جانبه وأن لا يتخلى عنه لحظة واحدة على الإطلاق.
الإسرائيليون اليوم يذهبون إلى العراق. هناك نفوذ أمني إسرائيلي الآن قوي في العراق. حيث هناك قاعدة أميركية أو مركز أمني أميركي في العراق أو في الخليج أو في أي بلد عربي أو إسلامي هناك قاعدة عسكرية وأمنية إسرائيلية، ويجب أن نتعاطى مع هذا الأمر على أساس هذا الواقع ولا نتنكر له ولا نخرج من الإقرار به من أجل أن لا نكون محرجين سياسياً أو إعلامياً في بلداننا وأمام شعوبنا.
بدل أن نذهب لنواجه إسرائيل في العراق، بدل أن نذهب لنواجه إسرائيل في الهند، بدل أن نذهب لنواجه إسرائيل التي هي الآن أقامت قواعد لها في آذربيجان على الحدود مع إيران، بدل أن نذهب لنواجه إسرائيل في أريتريا وفي محيط السودان، بدل ان نواجه إسرائيل في هذا الموقع أو ذاك الموقع من دول آسيا الوسطى أو أي موقع يمتد إليه النفوذ الإسرائيلي في هذه المرحلة للتآمر والعدوان على بلادنا العربية والإسلامية، بدل أن نستنزف وننشغل وتتوزع جهودنا على المواجهة في كل هذه الساحات، لماذا لا نمركز في العالم العربي والإسلامي كل معركتنا وكل جهدنا إلى جانب الشعب الفلسطيني الذي يقاتل في القدس وفي تل أبيب وفي رام الله وفي غزة، ليس دفاعاً عن الـ 67 ولا دفاعاً عن 48، وإنما الدفاع عن كل بلد عربي ومسلم في هذا العالم. إن المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية وكل العالم العربي والإسلامي لا يستطيعان أن يعطلا زيارة شارون إلى الهند، ولكن المجاهدين في فلسطين يستطيعون زيارة شارون إلى الهند ويعيدوه بسرعة خائفاً مرعوباً إلى تل أبيب.
عندما كان يناقش البعض في دعم لبنان للشعب الفلسطيني أو القضية الفلسطينية أو الانتفاضة الفلسطينية وتوجه الاتهامات في الصحافة الإسرائيلية، عندما يتحدثون عن الدعم بالمال أو الدعم بالسلاح أو الإعلام أو السياسة ... ويمكن أن يقول البعض لماذا تورطون لبنان في فلسطين. وكنا نقول نحن ندافع عن لبنان في فلسطين، ونحن ندعو شعب كل بلد عربي ومسلم وحكومة كل بلد عربي ومسلم لتدافع عن بلدها وشعبها و كرامتها الوطنية، ولكن أفضل ساحة للدفاع وللحماية هي ساحة فلسطين بشكل مباشر.
اليوم فلسطين وشعب فلسطين هو الخط الأمامي في الدفاع عن هذه الأمة. نحن نجدد على كل الصعد إلتزامنا بالوقوف إلى جانب شعبنا في فلسطين.
في الحقيقة، ما كنت أود أن أتحدث عن قضية تبادل المعتقلين والأسرى، ولكن كون الموضوع قد أثير قبل قليل ولاحظت أن هناك تشويشاً كبيراً أثارته الصحافة الإسرائيلية. نحن في مفاوضات، ولكن كنا حريصين أن نصمت كل هذه الفترة لننجز أو نصل إلى نتيجة في المفاوضات، وأحياناً الشغل الإعلامي يمكن أن يخرب بعض الأعمال الأساسية ولكن، لأنه قيل الكثير في الصحافة الإسرائيلية، وكان له تأثيرات معنوية سيئة في داخل فلسطين وفي أماكن أخرى حتى عندنا نحن، عندما قالوا بأن الاتفاق المزمع التوصل إليه سيشمل فقط معتقلين لبنانيين ولن يشمل معتقلين غير لبنانيين. الحقيقة أنا في الأسابيع الماضية ما كنت أحب أن أعلق على هذا الموضوع ، لكن يبدو في النهاية أن الإعلام يؤثر في معنويات الناس وروحيتها ولو في هذه الفترة الفاصلة التي تفصلنا عن النتيجة المتوقعة. أنا أريد أن أقول هنا بكل ثقة وبكل تأكيد وبكل يقين أن عملية التبادل التي نعمل على إنجازها إنشاء الله ستشمل لبنانيين وسوريين وأردنيين بمعزل عن الأعداد، وفي مرحلة لاحقة عندما نتفق نعلن عن الأعداد والأسماء وإلى آخره، لبنانيين وسوريين وأردنيين وبكل تأكيد فلسطينيين. ولو كنا نريد أن ننجز عملية تبادل للأسرى اللبنانيين فقط لفعلنا ذلك منذ ثلاثة أعوام. والجدل الأساسي كان خلال كل السنين الماضية يرتبط بمبدأ إدخال المعتقل الفلسطيني في المفاوضات وبعد أكثر من سنة ونيف تم الاتفاق على المبدأ ودخلنا في مرحلة الأعداد والآن نكاد أن ننتهي من مرحلة الأعداد لندخل في المعايير وفي الأسماء وما شاكل. أنا أؤكد أن الأخوة الفلسطينيين بمعزل عن التفاصيل ، بالتأكيد من حيث المبدأ وبالشكل المناسب إنشاء الله سيكونون حاضرين في أي عملية تبادل مزمع التوصل إليها . وفي هذا الإطار أود أن أقول أيضاً هناك مفاوضات جادة وجدية وفعلية وأفضل من كل المفاوضات التي حصلت خلال الأعوام القليلة الماضية، ولكن ما زالت هناك بعض التعقيدات، أستطيع القول أننا أمام أسابيع حاسمة إما سلباً وإما إيجاباً، لكن نأمل إنشاء الله أن تكون النتائج هي النتائج الطيبة والمرجوة التي نتطلع إليها وتطلعون إليها جميعاً.
في هذا السياق لا بد أن نتذكر تلك الزنود السمراء لمجاهدي المقاومة الذين وفروا هذه الفرصة. هذا العالم لا يتذكر معتقلينا ولا أسرانا ولا إخواننا ولا نسائنا ولا حتى أطفالنا ومرضانا كالبنانيين وفلسطينيين وعرب في السجون الإسرائيلية لو لم يكن هناك أسرى إسرائيليون في يد المقاومة في لبنان.
في الموضوع الإعلامي، أقول من موقع التجربة الميدانية: كان يقال أن الإعلام يكشف عن الحدث ويبينه ويوضحه، ولكن وصلنا إلى مرحلة بلا شك الإعلام قادر على صنع الحدث، تجاوزنا مرحلة التبيين والكشف والإخبار. بكل بساطة الآن، الإعلام العربي والإسلامي يقدر أن يعمل فتنة طويلة عريضة في العالم العربي والإسلامي لوحده ، ويقدر أن يخمد فتنة طويلة – عريضة في العالم العربي الإسلامي لوحده، ولذلك مسؤولية العاملين والمسؤولين في هذه المؤسسات هي مسؤولية كبيرة وخطيرة. فيما يتعلق بصلة الإعلام في المقاومة ايضاً أقول من موقع التجربة أنه صلة عميقة ووثيقة جداً. أحياناً يقال نصف المعركة، ثلاثة أرباع المعركة، ثلث المعركة، هذه التقسيمات هي غير دقيقة عادةً ولكن، مما لا شك فيه أن الإعلام هو من أهم أسلحة الصراع والمعركة والمقاومة فيما يتركه في العدو والصديق ونفس المقاومة. ونحن عشنا هذه التجربة وكنا نشعر أن الأداء الإعلامي كان يغير في بعض الحالات مسار المعركة، مسار المواجهة، قد ينقل مجموعة في ساحة القتال من حالة إحباط وترهل ويأس إلى حالة عنفوان وأمل وحماسة يغيّر مسار المعركة الميدانية. هذه أمور تعرفونها، ولكن أود أن أذكر بها.
من هنا دور وسائل الإعلام في دعم الشعب الفلسطيني وانتفاضته هو أمر مهم وكبير وليس بحاجة إلى تأكيد على أهميته. ولكن باختصار شديد أطرح عناوين سريعة:
العنوان الأول: الموازنة بين صورتي المظلومية والبطولة. إذا قدمنا ما يجري في فلسطين فقط مظلومية، سيصاب الفلسطيني الذي يستمع إلى الإذاعة والتلفزيون بالإحباط، وكذلك الشعوب العربية والإسلامية والشعوب المعنية بالصراع. الشعوب غير المعنية بالصراع يفيدها كثيراً إبراز المظلومية. عندنا مشكلة صورة وصوت لأي مخاطب؟ إذا كان المخاطب هو العالم الغربي، فلنركز على صورة المظلومية، أما إذا كان المخاطب هو العالم العربي والإسلامي المعني بالصراع يجب أن نحدث نوع من التوازن بين صورة المظلومية وصورة البطولة، لأن الفلسطيني اليوم صحيح هو ضحية التآمر والاستكبار والإفساد الصهيوني، ولكنه حتى عندما يقتل، يقتل بشهامة وهو واقف على قدميه وهو متمسك بحقه وأرضه ومقدساته وهذه صور مختلفة عن مئات الآلاف الذين يقتلون هنا أو هناك في العالم في مجازر جماعية كالنعاج، قد لا يكون لهذا القتل أي قضية أو خلفية. صورة المظلومية، يجب أن نحتفظ إلى جانبها بصورة البطولة والتضحية والإقدام والشجاعة والفداء والعطاء المذهل الموجود في فلسطين.
العنوان الثاني: إعطاء الأمل في مقابل الحرب النفسية الأميركية الإسرائيلية التي تريد أن تكرس حالة اليأس على امتداد هذه الأمة وهذه معركة خطيرة وكبيرة جداً. نحن بلا أمل بلا أفق لا نستطيع أن نتقدم إلى الأمام. لن تحملنا اقدامنا لنسير خطوات إلى الأمام يجب أن تعمل وسائل الإعلام لبث روح الأمل في الأمة في مقابل روح اليأس التي يريدون تكريسها وتثبيتها ، وفي نفس هذا السياق إثبات وتأكيد جدوى خيار الانتفاضة والمقاومة الذي انطلق منه الشعب الفلسطيني. لأنه دائماً النقاش في الجدوى: ماذا تفعلون، ما جدوى ما تفعلون؟ منذ عشرين سنة في لبنان كان نقاش في الجدوى والمقاومة قد انتصرت وهناك من يناقش بالجدوى. نفس هذا النقاش موجود فيما يتعلق بالشعب الفلسطيني.يجب أن نقدم ليس بالشعارات وليس بالخطابات الحماسية بالأرقام جدوى المقاومة في فلسطين. وبكلمة مختصرة وبدون أية مبالغة، ما فعلته المقاومة الفلسطينية بإمكانياتها المتواضعة مادياً وعسكرياً ولكن بإمكانياتها الرائعة على المستوى البشري والإيماني خلال ثلاثة أعوام هو أكبر بكثير مما فعله كل العرب والمسلمين في صراعهم مع إسرائيل خلال خمسين عاماً.
إسرائيل هي قلعة مدججة بالسلاح فيها 400 رأس نووي كما يقال وأقوى سلاح جو في المنطقة، ولكنها كيان مرعوب وممتلؤ خوفاً من الداخل. 400 رأس نووي ماذا يمكن أن يفعل بشعب فلسطيني يفجر نفسه استشهادياً ليستعيد كرامة أمته ووطنه وأرضه.
هذا الخيار هو الخيار المجدي، لن نسد الأبواب على الخيارات الأخرى ولندعها تجرب نفسها، ولكن التجربة سابقاً ولاحقاً والطبيعة وسنن الكون وسنن الله وقوانين التاريخ والمجتمع تقول: لا يمكن طرد الاحتلال إلا بالمقاومة. العناصر الأخرى قد تكون عناصر مساعدة. واقصد المقاومة بكل أبعادها وجوانبها ولكن بالتأكيد في مقدمتها وفي طليعتها المقاومة الدامية، الجهادية التي يسقط فيها شهداء ويُقتل فيه للعدو قتلى وضحايا.. هذا العنوان إثبات الجدوى في مقابل الحديث عن العبثية ورفض عسكرة الانتفاضة ..
العنوان الثالث : الانتباه للمصطلحات وتأثيرها المعنوي والنفسي على الشعب الفلسطيني. ماذا يعني أن تقول قنوات عربية محترمة وجليلة: قتيل فلسطيني! هذا شهيد فلسطيني. إن كان هناك على امتداد العالم اليوم من مقتول يمكن أن تسميه شهيداً بلا تردد وبلا نقاش وبكل الموازين الانسانية والدينية والإيمانية والعقائدية والوطنية والقومية فهو ذاك المقتول في فلسطين. إذا كان هذا ليس شهيداً فمن هو الشهيد؟! ايضاً الحرص على الوحدة الوطنية الفلسطينية أن لا نحول منابرنا الإعلامية إلى منابر تتيح للفلسطينيين أن يمزقوا بعضهم أو يطعنوا بعضهم أو يحاربوا بعضهم. صحيح، نحن مع حرية الإعلام، لكن يجب أن يكون هناك مسؤولية في الإعلام. نحن نخوض معركة مصير بلد وشعب وأمة.
العنوان الرابع: خلاصته : أيها الأخوة سواءً في المجال السياسي والإعلامي والمجالات الأخرى، قد نختلف في قضايا أخرى في هذه الأمة. حرب أميركا على العراق اختلف فيها العرب والمسلمين. فيما يجري اليوم في العالم العربي، في الموقف من الأنظمة قد نختلف، في الموقف من بعض التطورات التي تحصل هنا وهناك قد نختلف، تعالوا لنتفق على ميثاق شرف يقول : إن خلافاتنا في الشؤون الأخرى لا يجوز أن تصدع جبهتنا في حماية الشعب الفلسطيني. يبدو بعض الناس يودون أن يذهبوا ببعض المؤسسات وبعض الأطر الكبيرة والصغيرة والوطنية والقومية والإسلامية إلى حد إما أن نتفق على كل شيء أو فلنغادر مقاعدنا، هذه عبثية وعصبية قاتلة للذات وللقناعات الشخصية. قد نختلف في أمور كثيرة في تقييم الأنظمة، في تقييم أداء النظام الرسمي العربي، في تقييم حركات إسلامية وحركات قومية وشخصيات وقيادات وساحات، ولكن أياً تكن مساحة الاختلاف لا يجوز أن يمتد هذا الخلاف لا روحاً ولا في العلاقة ولا في الموقف ولا في الجدية إلى ساحة فلسطين. وفي الوقت نفسه أريد أن أقول لبعض الدول العربية والإسلامية ولبعض الشعوب العربية والإسلامية إذا كان بعض الفلسطينيين في يوم من الأيام أخطئوا في موقف هنا أو في موقف هناك لا يجوز أن تحاسب فلسطين وشعبها وقضيتها نتيجة هذه الأخطاء. يجب أن نخرج فلسطين وشعبها وقضيتها ومقدساتها من دائرة أي خلاف أو اختلاف.
والنقطة الأخيرة هي : الدعوة إلى صمود وسائل إعلامنا في العالمين العربي والإسلامي أمام الضغوط السياسية والنفسية والإعلامية الأميركية. هذا عنوان كبير جداً يحتاج إلى نقاش في المؤتمر. لكن نحن ندعو إلى الصمود وعدم الخضوع للتهويلات الأميركية التي بدأت تحاول أن تصنف بعض القنوات الفضائية بأنها قنوات تحرض على الإرهاب وتدعو إلى المقاومة وبالتالي تتحمل تبعات هذا التصنيف وأنا لا أقصد بالتحديد قناة واحدة ، هناك أكثر من قناة عربية ، ونحن نعرف أن السيد بريمر في العراق هو أوصى بالعديد من القنوات العربية وطالب بطردها وطرد ممثليها وإغلاق مكاتبها. هذه هي الديموقراطية الأميركية التي لا تتحمل لا الرأي الآخر ولا الصوت الآخر ولا المشهد الحقيقي. الديموقراطية الأميركية التي تقدم لشعبها فقط الصورة والصوت والرأي الذي تريده الإدارة الأميركية ومع الوقت نكتشف أن ابشع ديمقراطية بل أكثر ديمقراطية خادعة في هذا العالم هي الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية وخصوصاً على المستوى الإعلامي. وأحيانا قد يصل الأمر إلى تجربة شخصية أن ترفض مقابلة أي تلفزيون أميركي، لأنه يجلس معك ساعة أو نصف ساعة ويقطع كلامك ويأخذ منه ثلاث دقائق التي تدينك وتخدم عدوك، وهذه الثلاث دقائق مقطعين وممنتجين ومشوهين ومحرفين، هذه هي الديموقراطية الأميركية وحرية وسائل الإعلام في الولايات المتحدة الأميركية. هم يريدوننا أن نكون مثلهم. نحن في العالم العربي وبالرغم من كل الالتباسات في مسألة الديكتاتورية والديموقراطية، نحن أولى أن ندعوا وسائل الإعلام الأميركية إلى التعبير بحرية عن الرأي وإلى ممارسة الديموقراطية الحقيقية.
لكن لا يجوز أن تخضع وسائل الإعلام للضغوط. اليوم هناك ضغوط كبيرة في كل اتجاه. والولايات المتحدة الأميركية معروف اين يجب أن تصنف. اليوم شارون يهدد بطرد الرئيس عرفات، حاول قتل الشيخ أحمد ياسين قتل قيادات في حماس وفي الجهاد، كل يوم يدمر منازل في فلسطين المحتلة، يهدد دول الجوار وهو الذي يملك تاريخ ارتكاب مجزرة صبرا وشاتيلا في مثل هذه الأيام في لبنان، ولكن هو عند السيد بوش حمامة سلام ورجل السلام التاريخي بينما يبدأ في الكونغرس الأميركي بمناقشة قانون محاسبة سوريا بحجة أنها تدعم الإرهاب. مشكلة سوريا أنها أمنت ملجأً وملاذاً آمناً لبعض القيادات الجهادية النضالية الفلسطينية وأن سوريا تقف إلى جانب الحق اللبناني في المقاومة والحق الفلسطيني في المقاومة وتطالب بأرضها المحتلة، هذه يجب أن تحاسب لدعمها للإرهاب؟! أما الذي يمارس الإرهاب جهاراً نهاراً بطائرات الـ أف 16 الإسرائيلية هو غير مدان بل هو محمي. إيران تسعى للحصول على طاقة نووية لأغراض سلمية يحضر لمحاصرتها دولياً بل يمكن أن يصل الأمر إلى إعلان الحرب عليها، ولكن إسرائيل التي تملك سلاحاً نووياً فتاكاً هي محمية وتقدم لها تسهيلات قروض ودعم سنوي وعلى كل صعيد؟! أما آن للعرب وللشعوب العربية وللحكام العرب وللحكام المسلمين أن ييأسوا من هذه الإدارة ومن إمكانية إقناع هذه الإدارة والتفاهم مع هذه الإدارة أو الوصول معها إلى نتيجة، ولا يجوز أن نخضع ولا يجوز أن نقلق. السيد بوش جاء من أميركا إلى شرم الشيخ وإلى العقبة وجلب معه كولن باول وغونداليزا رايس وثلاثة أرباع إدارته وجمع بعض الملوك والحكام والرؤساء العرب، وهدد وأرعد وأزبد، وظن أن أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم قادرة على أن تفرض خارطة الطريق على الفلسطينيين ولكن الشعب الفلسطيني الأعزل إلا من الإيمان وخيار الاستشهاد استطاع أن يسقط كل الإملاءات الأميركية والصهيونية بدماء أطفاله ونسائه ورجاله. الشعب الفلسطيني كم يبلغ؟ 50 مليون أو 60مليون؟ فلسطين كلها كم تبلغ؟ ما تبقى من فلسطين التي يسكنها فلسطينيون كم تبلغ؟ يجب ألا نخضع لهذه الضغوط، ويجب أن نواصل عملنا ومسؤوليتنا وبالتأكيد ما يجري في المنطقة، أنه هناك الكثير من الآفاق الممتازة المفتوحة. نحن في شدة نعم، الفلسطينيون في شدة، كانوا ولا زالوا في شدة، ولكن إسرائيلي لم تكن في شدة ولم تكن في مأزق، اليوم إسرائيل في شدة وفي مأزق. وأمريكا اليوم في المنطقة في شدة وفي مأزق. الأفق مفتوح أمام أمتنا طبعاً لو تماسكنا وتوحّدنا وأبعدنا شبح الفتنة وكبّرنا عقولنا وتحملنا المسؤولية وواصلنا طريق الصمود والجهاد والمقاومة والعقل والشجاعة. الآفاق مفتوحة أمامنا ومسدودة أمام الآخرين. لا يجوز أن نسقط في هم أن طريقنا مليء بالسدود. ل،ا طريقنا مليء بالأشواك ولكن بعد الأشواك الكثير من الورود، بالنصر بالحرية بالكرامة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.