
كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في افتتاح ليالي عاشوراء في المجلس المركزي في قاعة سيد الشهداء (ع) في الرويس 3-3-2003
أحيا حزب الله الليلة الاولى من ليالي عاشوراء في المجلس المركزي الذي يقيمه الوكيل الشرعي العام للإمام الخامنئي في لبنان الامين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصرالله في قاعة سيد الشهداء (ع) في الرويس، وألقى سماحته كلمة بالمناسبة قال فيها "(...) عندما نكون في مفصل تاريخي، الاخطاء المرتكبة ستكون اخطاء تاريخية وليست اخطاء عادية وقد لا يسهل تجاوز اثارها في المستقبل، وإنما ستبقى جاثمة على صدور اجيال عديدة من هذه الامة. وبالتالي، علينا ان نعي وندرك الساحة الحقيقية للمعركة، وهذا من اهم عناصر الحركة النبوية والحركة الحسينية ومن اهم عناصر الانتماء الى كربلاء. لقد كان للحسين(ع) اخصام اخرون في تلك الامة، ولكن التهديد الاكبر والاساس الذي كان يشخصه الحسين(ع) كان من يزيد، ولذلك كانت معركته هناك. ونحن اليوم معنيون ان نعي وان نعرف ماذا يجري حولنا. وللاسف، يناقش البعض ما إذا كان يجب في المجتهد الفقيه ان يكون عارفا بالزمان والمكان وبما يجري في العالم من احداث سياسية وتطورات اقتصادية ووقائع وتركيبة النظام العالمي القائم او الاتي والتهديدادات التي تواجه المسلمين، في حين انه يوجد لدينا ما يزيد على ثلاثين رواية تقول ان معرفة الزمان شرط في المؤمن العادي، أي أنه لا يكون المؤمن مؤمنا، حتى يكون عارفا بزمانه. وفي معرفة الزمان نحن بحاجة الى الوعي الحقيقي، حتى لا نخطء ولا تنطلي علينا حبائل الشياطين واساليب النفاق. ومن اخطر ما يواجهه المسلمون في هذا العصر هو الخداع الامريكي والنفاق الامريكي. ومن اخطر مظاهر ضعف الوعي والمعرفة هو ان نقع في اشتباه الرهان على الولايات المتحدة، وان تتحول الولايات المتحدة في نظرنا من ام المصائب ومن سبب بلايانا في العالمين العربي والاسلامي، الى مقام اخر وتصبح في نظر شعوبنا المظلومة والمضطهدة والمقهورة. ولكن الخطء الاكبر هو ان نتصور ان امريكا هي المنجي والمنقذ والمخلص والتي ستخرجنا من ظلم وجور الطغاة الى العدالة والحرية والديمقراطية .
وأضاف سماحته قد تطغى علينا عواطفنا ومشاعرنا ولكن لا يجوز ان تضغط علينا إلى الحد الذي نشتبه فنظن العدو صديقا، أو نراهن على عدونا. لا يجوز ان يغيب عن بال احد في هذا العالم ان الولايات المتحدة هي شريك كامل فيما جرى في منطقتنا خلال خمسين سنة من ظلم وقهر وجرائم وفي الكثير من التفاصيل، لأنه لولا الولايات المتحدة واحلافها، ما كان لاسرائيل ان تبقى وتستمر. ان امريكا شريك كامل في كل جريمة ارتكبتها اسرائيل في فلسطين وأيديها ملطخة بها، فالسلاح أمريكي والمال أمريكي، والدعم المعنوي والسياسي أمريكي، وهذا لا يجوز ان يغيب عن بال أحد.
وتابع : الاكثرية الساحقة من الأنظمة في هذه المنطقة بقيت واستمرت وحكمت بفعل الحماية الامريكية، لذلك لا نستغرب ان يقف بعض الزعماء في القمة العربية ليتهم كل واحد منهم الاخر" بانك انت، أتى الاستعمار بك". وأكد أن الاستبداد في هذه المنطقة والدكتاتوريات والسجون المليئة بالسجناء والمظلومين، امريكا شريكة بالمسؤولية عنها، وبالتالي، من المصيبة ان ناتي الى الشريك في المسؤولية والجريمة ومن قتل علمائنا واطفالنا، ومكن من رقابنا اسرائيل والكثير من الظالمين، ثم نراهن عليه ونعلق عليه الامال ونمد له يد العون. هذا هو الخطر الاكبر.
وأضاف" اليوم، هناك ظلم هنا وظلم هناك، وقهر هنا وقهر هناك، ولكن ما يجب أن نعرفه اليوم هو أن هناك خطر حقيقي يهدد الإسلام وليس المسلمين فقط. نحن نقول ان الحسين (ع)خرج ليدافع عن الاسلام والدين الذي كان يريد يزيد بن معاوية ان يقضي عليه، اليوم امريكا هي ليست اتية من اجل السيطرة على النفط وهي اصلا تسيطر عليه، وعندما تريد امريكا من اوبك ان ترفع او تخفض الانتاج وترفع او تخفض الاسعار يحصل ذلك،والصحيح ان نقول ان امريكا اتية لتحكم سيطرتها على النفط وليس لتسيطر عليه، ومتى كان نفط العرب للعرب ونفط المسلمين للمسلمين حتى نقول الان ان امريكا اتية لتاخذ نفط العرب ونفط المسلمين .امريكا تريد ان تحكم سيطرتها على هذا النفط، ولكن هذا الهدف هو الرقم الخامس او الرابع او السادس، والهدف الاول ان امريكا تريد السيطرة على العالم. واكتشفت بعد تجربة انتصار الثورة الاسلامية في ايران وبعد الصحوة الاسلامية في العالم العربي والاسلامي، ان الذي يشكل تهديدا لنفوذها في العالم العربي والاسلامي ويشكل تهديدا لسيطرتها وللانظمة وللكيانات العميلة التي تحميها وتحمي مصالحها بالدرجة الاولى هو الاسلام، والعودة الى الاسلام وعودة الامة للاصغاء الى نبيها محمد (ص)،ولذلك امريكا بدأت حربا على الاسلام ولعلها بعد انتصار الثورة في ايران ركزت حملتها على الاسلام في الاطار الشيعي ،ولكنها خلال تطورات العشرين سنة الماضية ادركت ان المسلمين عندما يعودون الى اسلامهم لا يمكن ان يكونوا اتباعا لمستعمر، ولا يمكن ان يسكتوا على ظالم. ولذلك، هذه الادارة اليوم تستهدف نبينا اكثر من أي ادارة امريكية سابقة، من خلال ابشع حملة تشويه لشخصية الرسول (ص)في العالم من خلال ما يكتب وما ينشر ويقال، وانا اخجل من ان اذكر حتى بعض ما يكتب وما يقوله هؤلاء عن نبينا (ص)، لانهم ادركوا جيدا ان هذا الدين يشكل تهديدا لهم وبالتالي هم يريدون التدخل في المناهج التربوية والتعليمية، وحتى ما ندرسه عن ديننا سيتدخل الامريكييون لتحديده بدقة ان لم يتمكنوا ان يحذفوا مادة الدين نهائيا. الولايات المنحدة ليست آتية لتغير نظاما سياسيا هنا او هناك او لتحتل بقعة من ارضنا الاسلامية، انما هي اتية لتمارس اقصى ما تستطيع ان تمارسه من افساد وابعاد لهذه الامة عن دينها ونبيها. امريكا اليوم ستستخدم كل طاقاتها لتحقق مشروع ابليس في يوم الخليقة الاول.
في الماضي كان يمكن لامريكا ان تقبل ان تمتلئ مسجدنا شرط ان لا نتدخل في السياسة ولكن بعد الان مشروع امريكا هو ان لا يمتلئ لنا مسجد بل ان تمتلئ من شبابنا الحانات والمواخير، ان نخرج من دائرة أي احساس وصلة بماضينا وديننا وعزتنا وشرفنا وان نصبح عبيدا للغرب، وليس مقلدين لهم كما هو الحال الان .ولذلك المسألة هي ابعد بكثير من مسألة صراع سياسي او اقتصادي. المهم ان لا نخدع وان لا يتحول رهاننا من الله وان نيأس من الله ونراهن على امريكا ونيأس من انفسنا ونراهن على امريكا. وان نيأس من مجاهدينا الاخيار في هذه الامة، ونراهن على امريكا، هذا اخطر ما يمكن ان نواجهه .امريكا ستستفيد من كل العداوات والتناقضات الموجودة في منطقتنا، بما فيها من نزاعات عرقية وقومية وطائفية ومذهبية وفكرية وسياسية وحزبية. وعندما يقفل احدنا على حساباته الخاصة ولا يرى في المنظار الاشمل والاوسع سوف يخطء في الفهم والمعرفة. وبالتالي سوف يخطء في الموقف .
والعنصر الثالث الذي يجب أن نعرفه، هو القدرة على تشخيص المواجهة وما يجب فعله وعمله. من هنا تأتي عظمة رسول الله (ص)الذي كان يعرف ما ينبغي ان يفعله في مكة عندما كان هناك، وكان يعرف ما يجب ان يفعله في المدينة. اذا المسألة ان الامور تختارها القيادة الحكيمة والعارفة بما يتناسب مع اهداف الاسلام، ولذلك لم يقاتل رسول الله (ص)في مكة بالرغم من ان اصحابه كانوا يعذبون ويقتلون، وفي المدينة كان له موقف مختلف. والعتصر الرابع، ان يمتلك القائد والاتباع في الحركة النبوية والحسينية واي حركة معاصرة، تتبع النبي وحفيده ان تمتلك الجرأة والشجاعة والعزم .وكثيرون اليوم يمكنهم ان يحللوا لك الاخطار ويحددوا لك الاولويات ويدركون جيدا ولديهم استشراف للمستقبل، ويقترحوا عليك خططا وتكتيكات لهذه المرحلة وتلك المرحلة، ولكن هؤلاء انفسهم لا يملكون شجاعة اتخاذ الموقف، وجرأة النزول الى الساحة ولا شجاعة وعزم الحضور في الميدان، ماذا يعني لنا هؤلاء فليكتبوا كثيرا وليتحدثوا كثيرا لكن هم ليسوا موجودين في ساحة المواجهة، لانهم يفتقدون الجرأة والشجاعة .العنصر الاخير الى جانب الجرأة والشجاعة والعزم، هو عنصر الاستعداد للتضحية. قد يملك البعض الشجاعة والعزم ولكنهم ليسوا مستعدين للشهادة والتضحية. فطالما ان الموت بعيد عنهم وعن ابنائهم، وما دام بيوت الناس هي التي تدمر فهم حاضرون في الساحة والمواجهة، اما عندما تطال المواجهة بيوتهم واطفالهم وحياتهم الشخصية، تجدهم يفتشون عن تسويات ومعالجات وحلول او انصاف حلول. ان من اهم عناصر الحركة النبوية والكربلائية هو ان تكون في القيادة ملكة وروح واستعداد عالي للتضحية بالمال ولنفس.