
كلمة نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم خلال مؤتمر إتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية في طهران
في البداية أحيي إتحاد الإذاعات والتلفزيونات الإسلامية على هذا الجهد الكبير في السنوات السابقة ونحن الأن في المؤتمر الثامن برئاسة ورعاية سماحة الشيخ كريميان ومعاونة كل الوسائل والمدراء الأقسام والجهات التي أدت وظيفةً مهمة في هذا الربط بين وسائل الإعلام المختلفة لتواجه التحديات الكبيرة التي نواجهها.
ومن خلال الإطلاعِ على بعض الأنشطة التي يقوم بها الإتحاد أعبر لكم عن سروري وسعادتي لأنها أنشطة ترفع الرأس وتحمل آمالاً كبيرة للمزيد إلى الأمام بسبب الهمة الموجودة عند القيمين على هذا الإتحاد. نحن نعلم أن الإعلام يحمل وظيفة أساسية في إبراز الخبر ولكنهم حولوا الإعلام إلى دعايةٍ مشبوهة وإلى تلفيقات تبدأ بأدنى المراتب وهي الكذب لتصل إلى أعلى المراتب وهو البهتان بأشكاله المختلفة، نحن عندما نعمل من خلال وسائلنا لا بد أن تحضر لدينا تلك الأخلاقية الإسلامية العظيمة في أن نكون صادقين مع شعبنا ومع الناس لأن ما لم نحصل عليه بالصدق لا يمكن أن نحصل عليه بالكذب، وإذا سلكنا مسلك التشويه والكذب والدجل والمواربة فإننا بذلك نستخدم آليات المنحرفين وفي هذا لا يمكن أن ننافسهم فنقع أسرى التلمذة على أيديهم فنخسر الآخرة والدنيا معًا، قال تعالى "وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْم إِنَّ السَّمْع وَالْبَصَر وَالْفُؤَاد كُلّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا" وبالتالي نحن نقدم الإعلام بصورته الحقيقية الناصعة وعلينا من خلال وسائلنا أن نثقف شعوبنا المختلفة ليعرفوا من أين يأخذون المصدر الإعلامي الصحيح أي أن يكون لإعلامنا دور كبير في التثقيف للتمييز بين الإعلام الصادق والإعلام الكاذب ليصبح الناس قادرين على أن يميزوا على القاعدة القرأنية" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ".
وأنا أعتقد أن المعاناة من خلال إعلامنا الإسلامي هي معاناة مرحلية وستظهر النتائج لاحقًا بالصبر ومقاومة التحديات وأرجح للأخوة الأعزاء أن لا يسلكوا مسلك الشكوى من قلة الإمكانات وضعف القدرات لأن علينا أن نستفيد من إمكاناتنا وقدراتنا وأن نطورها قدر الإستطاعة، إذا بذلنا المزيد من الجهود فإن الإمكانات المتاحة يمكن أن تقدم الكثير مع الإخلاص والجهد.
تحية إلى الإتحاد وإلى كل العاملين وإن شاء الله تبرز هذه الصورة المشرقَة، صورة الحقيقة أمام الناس وعلى الرغم من حجم الإعلام الآخر الذي يكاد لا يقاس بحجم إعلامنا الإسلامي، مع ذلك صورتنا موجودة وخبرنا حاضر وروايتنا تطرح نفسها في الساحة ولو حاولوا التشويه لكن لا توجد رواية واحدة وإنما توجد روايتان، رواية الصدق وروايتهم رواية الكذب، ويبقى أن نعمل من أجل أن يعي الناس كيف يتعرفون على الحقيقة.
في هذا اللقاء المبارك وجدتُ من المناسب أن لا أدخل في وضع التخصص وهو تخصصكم أنتم ولعلكم أبرع في هذه التفاصيل، ولكن لو قدمت عرضًا لبعض الرؤى السياسية التي تنفع كمنهج لخطاب يمكن أن نعكسه في وسائلنا من خلال توحيد مواقفنا، فإن هذا الأمر قد يشكل إضافةً مناسبة من قبلي في هذا المؤتمر الكريم:
أولاً: الصراع الموجود اليوم في العالم هو صراع سياسي بين مشروعين كبيرين: الأول نطلق عليه مشروع الإستكبار والثاني نطلق عليه مشروع المقاومة، وتحت مشروع الإستكبار هناك تفاصيل كثيرة تبدأ بإسرائيل وتمر بالتكفيريين ولا تنتهي بكل المنحرفين الذين يسلكون هذا الإتجاه سواء أكانوا جهاتٍ أو أفراداً، وأما مشروع المقاومة فيضم تحته كل أولئك الذين يؤمنون بالعقيدة الحقيقية والحرية والكرامة والإستقلال وتربية الأجيال ورعاية الأصول التي تختص بها منطقتنا من تاريخنا إلى زماننا وإلى مستقبلنا.
الصراع موجودٌ بين هذين المشروعين بكل وضوح وهو ليس صراعًا مذهبيًا، ونحن نقع أحيانًا في خطأ تسليط الضوء على العنوان المذهبي من البوابة السياسية في الوقت الذي يستخدم أصحاب المشروع المعادي العنوان المذهبي ليضللوا الشعب فيأخذوهم إلى مشروعهم الإستكباري المرفوض أصلاً لكنه يصبه محببًا تحت إطار العنوان المذهبي. هذا العنوان المذهبي يستخدمه الاستكبار والحكام المستبدون من أجل التعمية على الجمهور من ناحية وسد النقص لضعفهم في تبيان حجتهم من ناحية أخرى.
باالله عليكم، هل الصراع الموجود في فلسطين صراع مذهبي؟ وهل المشاكل التي تطورت كثيرًا في مصر هي صراع مذهبي؟ وهل السلطة التي تريدها السعودية في المنطقة لتهيمن على أقسامها المختلفة تنطلق من صراع مذهبي؟ بل أقول أكثر من ذلك، حتى داعش تنطلق من مفردة السلطة والظلم والتحكم ولا تعبر عن عنوان مذهبي في الصراع، لأنها ترفض كل من عداها حتى من مذهبها على قاعدة أنا أو لا أحد، هم يريدون السلطة والتحكم بالناس والسيطرة على الموارد في المنطقة، إذاً هذا جزء من مشروع سياسي ولا علاقة له بالمشروع المذهبي. مع ذلك علينا أن نحتاط من الفتنة المذهبية لأن الفتنة المذهبية هي صناعة وليست حقيقة، هي محاولة من أجل إرباكنا وليس الصراع، إذاً نحن ننتبه إلى الفتنة المذهبية كأسلوب من أساليب التعمية على الناس ولا نعتبر الصراع في منطقتنا صراعاً مذهبياً.
ثانياً: حصل تحولٌ كبير بعد عدوان تموز 2006 على لبنان، وهذا التحول أنهى أربعة أمورٍ مهمة جدًا كانت تثقل كاهلنا:
أولاً: أنتهى الجيش الذي لا يقهر وأصبحنا أمام كيان إسرائيلي يمكن قهره وقد قهرَ جزئيًا ونحن بانتظار أن يتم هذا الأمر على يد المقاومين المجاهدين من أبناء فلسطين وأبناء الأمة وإن شاء الله نصل إلى هذا الوقت العزيز لتطرد إسرائيل بالكامل لأن بامكاننا أن نقهرها بإذن الله تعالى.
ثانياً: إنتهى التسليم بالحلول المطروحة في المنطقة على قياس إسرائيل فلم تعد المنطقة في خريطة التوزيع الذي يلائم إسرائيل فلبنان لم يعد ممراً للتوطين وهذا انتهى وسوريا ليست حديقة خلفية لإسرائيل والفلسطينيون ليسوا مدجنين في دائرة الرغبة بتسوية ظالمة، وهكذا إسرائيل اليوم ولأول مرة تتحدث عن خطر وجودي عليها لإنها لاحظت كيف أن المنطقة تتحول تحولات كثيرة تؤدي في نهاية المطاف إلى أن يتراجع مشروعهم بشكلٍ كبير.
ثالثاً: إنتهى الإحباط واليأس من المواجهة والتغيير، ولم يعد في وطننا العربي وأمتنا الإسلامية مفردة العجز والتسليم للواقع القائم، بل هناك حركة مقاومة نشطة تنمو في أماكن مختلفة وبأشكال مختلفة رافضة للإستكبار ومندرجاته المختلفة وهذا إنجاز عظيم.
رابعًا: إنتهى زمن الصراخ والشكوى وبدأنا نسمع صراخاتهم وشكواهم، كنا نصرخ من الألم ولا نعلم ماذا نفعل ولكن الآن نعمل ونشق الطريق وبإمكاننا أن نصل وهم يصرخون، هم يصرخون ونحن نعمل، كنا نصرخ وهم يعملون وإن شاء الله يكون النتاج لمصلحة هذا التوجه.
لقد كسرت المقاومة الإسلامية ثلاثة مشاريع كبرى خلال أقل من عقد من الزمن:
أولاً: كسرت المشروع الإسرائيلي من بوابة لبنان في حرب تموز سنة 2006 والذي كان يريد سحق المقاومة لإنهاء أصل مشروعها ولكنها بقيت وانتصرت، ومع كسر هذا المشروع سقط العبور من بوابة لبنان إلى الشرق الأوسط الجديد الذي نظّرت له وزيرة الخارجية الأميركية سابقًا رايس.
ثانيًا: كسرت المقاومة المشروع التكفيري من بوابة سوريا وخاصة من بوابة القصير والقلمون وباقي البلدات السورية العزيزة المجاورة للبنان والموجودة في العمق بالتعاون مع الشرفاء في الجيش السوري مع كل الأحرار الذين واجهوا هذا المشروع التكفيري، وعندما أقول إننا كسرنا هذا المشروع التكفيري لأن إندفاعته التي كانت كبيرة عندما ابتدأ من البوابة السورية بشكل كبير ومن ثم إنتقل إلى لبنان وإلى العراق وجدنا أن مقاومة هذا المشروع في سوريا ولبنان والعراق قد كسر بشكلٍ كبير وبدأ يتراجع، وعلى الأقل وقف عند حدٍ لا يستطيع بعده أن ينمو وعلينا أن نتابع لمزيد من كسره.
ثالثًا: كسرت المقاومة العبور من سوريا إلى شرق أوسط جديد مرة ثانية لأنهم كانوا يريدون من خلال تدمير سوريا وتغير نظام سوريا أن يوجدوا نظامًا يديلاً هو نظام إسرائيلي ثم يقسمون المنطقة بطريقة جديدة تنسجم مع المشروع الأميركي الإسرائيلي. هذا المشروع كسر من البوابة السورية. علينا أن لا نفاجأ أنهم يعادون المقاومة إلى هذه الدرجة فقد أآمتهم وأزعجتهم وعطلت مشريعهم بل نفاجأ إذا قبلوا بالمقاومة لأنهم عندما يقبلونها يعني أنها أداةٌ طيّعةٌ في أيديهم لتحقيق مكاسب سياسية يريدونها، نحن مع المقاومة التي لا تخضع لأنظمة ولسنا مع المقاومة التي تخضع لإعتباراتٍ سياسية مختلفة.
هذه المقاومة الفعالة هي التي تختار أهدافها ومكان وتوقيت عملياتها وتضع معادلاتها وعندما يعارضون كيف تقاومون في هذا المكان وكيف تذهبون إلى سوريا وكيف تقوّون قدرتكم في لبنان بالتسلح وزيادة العديد نقول المقاومة هي التي تختار ما تفعله. إذا خضعنا لقواعدهم هذا يعني أن تتوقف المقاومة وفي كل الأحوال أن لا فوز لحقٍ إلا مع القوة ولذا لا بد أن تكون المقاومة دائمًا حاضرة إلى جانب حقنا ونحن نؤمن أنها قابلة للتحقق.
سأبين مسألة هامة هي التي شكلت المنعطف في تاريخ المقاومة: نحن أدركنا سر قوتهم، قوتهم بالسلاح والإمكانات وأدركنا سر قوتنا، قوتنا بالعقيدة والإلتزام وسلامة المنهج والصدق فلم نتماهَ معهم ولم نخضع لسر قوتهم أي لم نجاريهم في الإمكانات على قاعدة لا يمكن أن ننتصر إلا إذا كانت إمكانتنا بقدر إمكانتهم أو أكثر، بل ذهبنا إلى سر قوتنا وهو الإلتزام والعقيدة والإيمان والتوكل على الله تعالى فكان سر قوتنا مع بعض الإمكانات أكبر من سر قوتهم بالإمكانات بلا عقيدةٍ ولا قيمة وهذا هو سبب وسر النجاح ليس النجاح بالإمكانات وإنما بوضوح المبدأ والهدف، وهذا قوله تعالى "وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاط الْخَيْل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوّ اللَّه وَعَدُوّكُمْ" ألم يلفت نظركم أن الله تعالى لم يطلب عدةً كعدتهم وقال لنا وأعدوا لهم ما إستطعتم من قوة ومن رباط الخيل عندها ترهبون به عدو الله وعدوكم وهذا ما فعلته المقاومة.
ثالثاً: الإتفاق النووي بين إيران والدول الست العالمية الكبرى هو إنجاز عظيمٌ لإيران وهو مصلحة للاستقرار في المنطقة لأن البديل عن الإتفاق هو الحرب، والحرب في أحسن نتائجها ضرر على الجميع. من هنا عندما عقدت إيران هذا الاتفاق وأخذت إلتزامًا ببقاء برنامجها النووي السلمي بكامل دورته بضوابط معينة ولكن البرنامج النووي بقيّ حاضرًا وفي آنً معًا أعترف العالم بدور إيران ومكانة إيران. يمكن من خلال هذا التفاهم العبور إلى التفاهم بين دول المنطقة وإيران وليس هناك إي مبرر لإمتناع هذه الدول عن التفاهم مع إيران، نعم المخاوف التي لديهم ليست من عدم إلتزام إيران بما تتفق عليه ولكنهم يريدون ما لا يستحقون، وما لم ينجحوا به بأساليبهم المختلفة، لماذا تفقد بعض الدول في المنطقة كالسعودية وغيرها تأثيرها على جماعات وجماعات مختلفة في منطقتنا؟ هل تعلمون؟ وهل تريدون الوضوح تمامًا؟ السعودية وأميركا وإسرائيل وجميع هذا المحور يتعاملون مع أتباعٍ مأمورين في منطقتنا وهؤلاء لا يستحقون الحياة أصلاً بينما محور المقاومة عندما يتعامل مع قواه المختلفة انما يتعامل مع قضاياهم وقناعاتهم، ولذا محور المقاومة أكثر رسوخاً من محورهم لأننا متعاونون مع حلفائنا ولسنا أتباعًا وعملاء كما هم يفعلون.
رابعًا: الحروب الداخلية في المنطقة بلا أفق والمعادلات الميدانية في سوريا واليمن تثبت أن لا امكانية لترجيح كفة المعتدين، ولذا استمرار الجريمة السعودية الاميركية في اليمن لا يعطي إلا المزيد من الدماء ولا تقدم حلاً على الإطلاق لا يوجد أي أفق للحلول العسكرية في المنطقة ولا يمكن لاستمرار العدوان على سوريا أن ينتج حلًأ على شاكلتهم أو على أي شاكلة أخرى، الحلول السياسية فقط هي التي تنهي مرحلة وتفتح مرحلة جديدة ومع الحلول السياسية من الطبيعي أن لا يأخذ كل طرف ما يريد ولكن في نهاية المطاف يتوقف العدوان وتتوقف الحروب.