الصفحة الرئيسة القائمة البريدية البحث



خطابات ذكرى القادة

تصغير الخط تكبير الخط طباعة الصفحة

كلمة السيد نصر الله في ذكرى الشهداء القادة 16-2-2006


لمناسبة الذكرى السنوية لاستشهاد سيد شهداء المقاومة الاسلامية السيد عباس الموسوي وزوجه وطفله وشيخ شهدائها الشيخ راغب حرب، أقام حزب الله احتفالا في الأونيسكو حضره الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله وممثل رئيس الجمهورية الوزير شارل رزق وممثل رئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل وممثل رئيس الحكومة الوزير خالد قباني ، وممثل حركة حماس في لبنان أسامة حمدان والنائب نبيل نقولا ممثلاً عن التيار الوطني الحر، والنائب حسن يعقوب ممثلاً عن الكتلة الشعبية، وممثل عن نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وممثلين عن قيادة الجيش وقوى الأمن الداخلي والأمن العام وممثل عن السفارة الإيرانية ورئيس الحزب القومي الأستاذ علي قانصوه وممثلين عن أحزاب الكتائب والبعث والجماعة الإسلامية وحركة أمل وحركة الشعب وعدد آخر من الأحزاب اللبنانية والفصائل والقوى الفلسطينية وشخصيات وزارية ونيابية وحزبية  وأساتذة من الجامعة اللبنانية ورجال دين من مختلف الطوائف وجمع من الشخصيات السياسية والاجتماعية والنقابية والبلدية وحشد من المواطنين. 

وألقى السيد نصر الله كلمة جاء فيها :

في ذكرى استشهاد سيدنا وقائدنا وأميننا العام سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي ومعه زوجته الفاضلة والعالمة والمجاهدة الشهيدة أم ياسر وطفلهما حسين ومن قبله أخوه وحبيبه وعزيزه وشيخ شهداء المقاومة الإسلامية الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب، في ذكرى هؤلاء الأحبة تحتشد المعاني والصور والآمال والآلام ويحضر الماضي بكل ما فيه... 

هناك جانب في السيد عباس والشيخ راغب لا يعرفه الكثيرون وإن كانت تطغى على مناسباتنا في ذكريات هؤلاء الأعزاء الذكريات الجهادية والسياسية. نحن أمام السيد عباس والشيخ راغب كلبنانيين وكأمّة أمام قيمتين حضاريّتين وشخصيّتين إنسانيّتين حقيقيّتين، ما كان يحمل كل واحد منهما من إخلاص وإيمان وصدق وحب وتواضع وزهد وأخلاق قلما نجد مثيلا لهذه الشخصيات على امتداد وطننا وعالمنا العربي والإسلامي. لقد كان هذان الشهيدان القائدان في البعد الآخر غير الموضوع السياسي والجهادي المباشر يمثلان هذا النموذج وهذه القيمة وهذا الرقي وهذا ما يجب أن نتعرف به، يعرفهما الناس وينظر إليهما الناس كإمامين للجهاد ولكن علينا أن نحاول أن ننظر إليهما كإمامين للحب والزهد والتواضع والصدق وإمامين في الفناء بالله وفي الناس وفيما يؤمنون به (...).

معهما نستحضر القادة الكبار من الإمام القائد المؤسس للمقاومة الإمام السيد موسى الصدر أعاده الله ورفيقيه بخير، تستحضر اساتذة هؤلاء الشهداء من الإمام الخميني قدس سره إلى الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره. هؤلاء القادة هم حصيلة هذه المدرسة الإيمانية الفكرية العبادية الجهادية السياسية، تبلورت وتجسدت في تلميذين رائدين كبيرين باتا أستاذين عظيمين في نفس المدرسة يعلمان الأجيال بالدم والمداد، بالكلمة والفعل والسيرة والسلوك. 

في ذكرى استشاهد هؤلاء تحضر أمام أعيننا مشهد التضحية بلا حدود : العائلة الشهيدة التي تتقدم ولا تهاب الموت، فالقائد وزوجته وابنه في لوائح المضحين والشهداء وفي مقدمتهم وفي الطليعة. مع السيد عباس وأم ياسر وحسين ومع الشيخ راغب يحضر العنوان الأكبر الذي نبدأ منه وننتهي إليه : المقاومة التي كانت قضيتهم وحياتهم ومشروعهم وجهادهم وشبابهم وساعات ودقائق وثواني عمرهم، المقاومة التي كانت أملهم وأفقهم وتطلعهم إلى المستقبل، معهم تحضر المقاومة بكل جهادها وتضحيات شعبها ودماء شهدائها وجراحات جرحاها وعذابات أسراها، تحضر المقاومة بكل الآلام والآمال، تحضر المقاومة لأنها ما زالت هي العنوان.

المقاومة التي كان هؤلاء الشهداء قادتها وروادها وعنوانها وشرفها انطلقت منذ البداية انطلاقا من حق واضح تكفله شرائع السماء وقوانين الأرض، ليس هناك قانون في العالم ـ إلاّ الأمريكيين الذي طلّعوا قوانين ـ يمنع شعبا من أنّ يحمل السلاح ليدافع عن أرضه وكرامته وشعبه وثرواته وسيادته وقراره، استنادا إلى هذا الحق قامت المقاومة، وعندما تستند إلى هذا الحق فهي لا تحتاج إذن في انطلاقتها إلى أذونات، وأيضا هي لا تحتاج ولم تحتج بالفعل إلى إجماع وطني.
اسمحوا لي أن أقول، في لبنان لسنا بدعا من الشعوب ولا بدعا من الأوطان، لا يوجد في تاريخ البشرية مقاومة شعب أو وطن حظيت بإجماع وطني، عندما كان يدخل الغزاة المحتلون بلدا ينقسم أهل البلد: البعض يتعامل مع الغزاة والبعض يقاتل الغزاة والبعض يقف على الحياد خائفا مرعوبا لا يدري ما يفعل، غالبا ما كان المقاومون في أطانهم وشعوبهم قلة، وكانت هذه القلة تكبر وتكبر وتكبر عندما تثبت في الميدان صدق منطقها وصحة خيارها وسلامة مسارها فيكبر الإحتشاد والإحتضان لها. 
المقاومة في لبنان كالمقاومة في فلسطين كأي مقاومة في العالم وفي التاريخ بدأت هكذا واستمرت هكذا، هذه المقاومة كان لها قضية واضحة وهذا من مميزات المقاومة في لبنان : تحرير كل شبر من الأرض اللبنانية، استعادة كل أسير ومعتقل، طرد الإحتلال من أرضنا والحفاظ على سياحة بلدنا بر وبحرا وجوا. وكان عدو المقاومة واضحا، أصلا لا يمكن أن نتحدث عن المقاومة بمعزل عن تشخيص عدوها، لأنّ المقاومة هي من المفاعلة، لا يمكن أن يكون هناك مقاومة وليس لها عدو واضح ومحدد، مقاومة ضدّ من ومن هو العدو؟ عدوها إسرائيل كان وسيبقى هو هذا العدو.
عدو واضح وقضية واضحة وخيار استراتيجي واضح : الجهاد، لا المساومات ولا الألاعيب السياسية ولا الرهانات الخاطئة على أحد في هذا العالم، لا على جامعة الدول العربية مع احترامنا لها  وأنا أتحدث عن ذلك الوقت ولا منظمة المؤتمر الإسلامي ولا مؤتمر عدم الإنحياز ولا على الأمم المتحدة ولا مجلس أمن دولي. خيارها الإستراتيجي كان واضحا، أبناء هذا الشعب بدمائهم وسواعدهم السمراء هم الذين يترجمون هذه الإستراتيجية الواضحة الإستراتيجية الجهادية، ومواصلة العمل مهما كانت التضحيات والأخطار. هنا تستمر المقاومة وتنتصر. هذا نموذج المقاومة في لبنان.
 
المقاومة في لبنان قدمت نموذجا واضحا وكانت السباقة بالوضوح وبتقديم قائدها شهيدا والسباقة في صنع الإنتصار التاريخي الأول وأيضا السبّاقة في تقديم نموذج سياسي اجتماعي أخلاقي راقي في 25 ايار عام 2000 عندما تهاوت قلاع الإحتلال والعملاء في جنوب لبنان في كيفية التعاطي مع المنطقة المحتلة. يجب أن ألفت وأذكّر أّن هذه المقاومة خاضت الحرب الوحيدة التي لا يمكن أن يناقش فيها وطني من موقع الوطنية ولا متشرع من موقع الشريعة والشرع، يعني هذه المعركة لا غبار عليها والمعارك الأخرى التي كانت تخاض في الداخل هي موضع نقاش : هل هي حق أو باطل، صح أم خطأ، كانت دفاعا عن عربوة لبنان أو وحدة لبنان، ليست كذلك، حرب اللبنانيين على أرضهم، حرب الآخرين على أرضنا، كل هذا موضع نقاش. القدر المتيقن من الحرب الواضحة الشريفة البينة التي لا يمكن أن يثار حولها غبار شرعي أو أخلاقي أو وطني هي المعركة التي قادها السيد عباس والشيخ راغب واستشهدا فيها وهي معركة المقاومة ضد ّالإحتلال الإسرائيلي للبنان.
هذه المعركة كانت حرب اللبنانيين من أجل أرضهم على أرضهم ولم تكن حرب أحدٍ على أرضهم، نعم نحن نتوجه بالشكر إلى سوريا التي وقفت إلى جانب هذه المقاومة ونتوجه بالشكر إلى الجمهورية الإسلامية في إيران التي وقفت إلى جانب هذه المقاومة وإلى كل من وقف معنا في العالمين العربي والإسلامي وعلى امتداد العالم من شرفاء، لكن هذه الحرب كانت معركتنا وحربنا وقضيتنا، لأنّ قادتها منّا وشهداؤها وأسراها وجرحاها وآلامها تعتصر قلوبنا وآمالها تدغدغ عقولنا وأحلامنا، نحن لا غيرنا. ولذلك كانت هذه المعركة المعركة الوطنية الحق والحرب الوطنية التي لا يمكن أن تمس. لذلك عندما نتحدث عن المقاومة فهذه طريقها وهدفها وتاريخها واستراتيجيّتها وهؤلاء هم شهداؤها فمن الطبيعي أن نتحدث عن مقدس. وإذا كان الوطن مقدسا فإنّ المقاومة التي حفظت الوطن هي المقدس إلى جانب الوطن. السلاح الذي حرر الأرض هو سلاح مقدس، والدم الذي سقط على الأرض من أجل أن تبقى هامات اللبنانيين شامخة مرفوعة هو دم مقدس، لولا هذا المقدس في المقاومة وفي سلاحها وفي دمائها لكانت جيوش الإحتلال الإسرائيلي ما زالت في بيروت ولكنا رأينا اليوم حقيقة الذين كانوا بالأمس تتكرر من جديد من هو الإسرائيلي ومن هو اللبناني أولا وآخرا. هذه حقيقة المقاومة ونحن نصر على هذا التوصيف وهذا ليس جدلا فلسفيا عقيما، هذا له قيمته السياسية والشعبية والمعنوية.  وأقول لكم من لم يذق طعم الجهاد لا يفهم الجهاد ومن لم يذق طعم الشهادة لا يفهم الشهادة، إن طعم القتال مع العدو الأصلي للأنبياء والرسل وللبنان والعرب والبشرية طعمه يختلف (...) .

هذه المقاومة اليوم حاضرة وفاعلية وأمام ما يثار حولها ومعها أود أن أذكر بعض النقاط التالية:

النقطة الأولى : يجب أن أؤكد أنّ هذه المقاومة لم تحمل في يوم من الأيام سلاحا لتدافع عن طائفة أو حزب أو منطقة جغرافية، الحرب الوحيدة التي خاضها هذا السلاح هي من أجل الوطن، كل الجنوب وكل البقاع الغربي : بنت جبيل وحاصبيا ومرجعيون وشبعا وكفرشوبا، لم نحمل هذا السلاح لنحرر الشيعة أو لنخرج الإحتلال من قرية شيعية أو لنطلق سراح أسير شيعي، هذا السلاح منذ اليوم الأول كان وطنيا وأنا أؤكد لكم سيبقى وطنيا.
عندما نتمسك بسلاح المقاومة ليس من أجل تأمين الحماية للطائفة الشيعية، وبصراحة إن هذا السلاح الذي حملناه منذ اليوم الأول وما زلنا نحمله للدفاع عن وطننا تحمل عبؤه الطائفة الشيعية، ليس هناك سلاح يحمي طائفة على الإطلاق، نحن متفقون وموافقون أنّ الذي يحمي كل الطوائف في لبنان هو الدولة والدولة وحدها والوحدة الوطنية وحرص كل اللبنانين على السلم الأهلي والعيش المشترك، هو إصرار اللبنانيين على الشراكة الحقيقية في وطن لا مكان فيه لغالب ومغلوب. السلاح في الداخل لا يحمي طائفة بل يدمر الطائفة ويدمر الوطن والطوائف ولا نفكر نحن بهذه العقلية، نحن لم نشترِ قطعة سلاح ولم نأتِ بقطعة سلاح لنحمي زاروبا أو حيّا في مواجهة حربٍ زاروبيّة أو قرويّة أو بلدية هنا أو هناك. نحن أتينا بهذا السلاح من أجل أشرف معركة وأشرف قضية وهي مواجهة الصهاينة القتلة المحتلين والمستبدين الذي يريدون بوطننا وأمتنا شرا.

النقطة الثانية ونضطر لتوضيحها بسبب ابتلائنا مع وسائل الإعلام هذه الأيام، من الإقتطاع والقص والمصادرة والتحريف...  لقد أجريت مقابلة مع قناة المنار في ذكرى استشهاد الرئيس الشهيد رفيق الحريري رحمه الله ، وسئلت بالضبط بينك وبين الرئيس الشهيد بموضوع سلاح المقاومة ماذا حصل، قلت أنّ الرئيس الشهيد وقتها قال لي : "أنا رأيي (رأي الشهيد الحريري ) أن موضوع سلاح المقاومة ليس مرتبطا لا بالمرزاع ولا بالأسرى وإنما هو مرتبط بعملية التسوية وطالما أن لا تسوية في المنطقة أنا معك أن هذا السلاح لا ينبغي أن يمس".
ربط السلاح بالتسوية لم أكن أنا قائله (والكلام للسيد نصر الله) ولا أنا طارح أو حزب الله طارح ربط السلاح بالتسوية، لا أطمّن ولا أخوّف.
يكمل الرئيس الشهيد رحمه الله يقول : "إذا صار تسوية يومها سآتي لعندك وأقول لك يا سيّد جرت التسوية في المنطقة هل هناك داعي لهذا السلاح؟ إذا قدرت أن أتفق أنا وإيّاكم كان بها، (أي خلصنا من السلاح)، وإذا اختلفنا أنا من الآن أقول لك أنا أقدم استقالتي وأغادر لبنان ولست حاضرا لأصنع جزائر ثانية في لبنان".
س
إذاً الذي ربط سلاح المقاومة بالتسوية هو الرئيس الشهيد، وأنا اليوم لا أذكر هذا الكلام لألزم أحدا، بكل صراحة وصدق . يمكن بالإحراجات السياسية بين بعضنا البعض يطلع معنا أنّ هذا (الحديث أعلاه) التزام ووصية من الرئيس الشهيد وهناك شهود عليها، لكن أنا في الحقيقة لا أقول هذا لألزم أحدا لأنّ هذا يمكن أن يلزم من لديه إرادة وقامة وهامة رفيق الحريري.
بالنسبة لنا خطابنا في موضوع سلاح المقاومة هو التالي وهو ما نصت عليه ـ وهو ليس بجديد ـ  الوثيقة التي تمّ التفاهم عليها مع التيار الوطني الحر، نحن منذ الأول قلنا أننا حاضرون لمناقشة مسألة سلاح المقاومة في إطار البحث عن استراتيجية دفاعية وطنية لحماية لبنان، لم يتغير شيء وما كتبناه هو ذاته وما قلته بالأمس وتمّ تحريفه هو التزام وقول الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
أود التأكيد على جانب عندما نتحدث عن حماية لبنان وعن استراتيجية وطنية دفاعية واضحة، أريد أن أقول لكم نحن هنا أيضا مشروعنا هو مشروع الدولة، الدولة التي تحمي شعبها في لبنان والتي يجب أن تثبت ذلك حتى الآن، ونحن شركاء في الحكومة، لم تستطع الدولة أن تثبت ذلك. والدولة التي يجب أن تحمي لبنان، نعم إنّ حماية لبنان بالدرجة الأولى هو مسؤولية الدولة ولو قامت الدولة بمسؤولياتها سنة 1982وقدمت جنودها وأموالها وسلاحها ومقاتليها لتحرير الأرض لما كانت هناك حاجة لأن تقوم الأحزاب الوطنية في لبنان بهذه المهمة.

إنّ أهم عنصر رئيسي يحقق استراتيجية وطنية دفاعية حقيقية عن لبنان هو بناء الدولة القادرة والقوية ودولة القانون لا المزاج، دولة المؤسسات لا الإنفعال، دولة الخيارات الإستراتيجية الواضحة والثابتة الباقية التي لا تتغير بين ليلة وضحاها. الدولة القادرة تستطيع أن تحمل هذه المسؤولية ويمكن أن يصل يوم تقول فيه الدولة للمقاومة ولأبناء المقاومة نحن دولة قوية مقتدرة لن نسمح لطائرة العدو أن تخترق أجواءنا ولن نسمح لزورق إسرائيلي أن يخترق ماءنا، سوف نحمي حدودنا وأهل حدودنا وسوف نستعيد كل أسير، سوف نتمسك بكل حبة تراب، حينئذ قد تقول المقاومة الله يبارك فيكم نحن بخدمكتم. الشرط الرئيسي هو قيام دولة قادرة وحقيقيّة. 

النقطة الأخيرة في موضوع الإجماع حول سلاح المقاومة، قبل أيام عقدت لقاء مع العماد ميشال عون رئيس التيار الوطني الحر، أنجزنا وثيقة وبعدها حصل جدل كثير في البلد والبعض انتقد هذا الموضوع ، هناك أناس هاجموا العماد عون لأنّه قدّم تنازلات لحزب الله، وهناك أناس هاجموا حزب الله لأنّه قدّم تنازلات للعماد عون. 

هذا الإنتقاد لنا وليس علينا : أي أن نرى المشهد كتيارين متباعدين صَعْبَيْن قد لا يلتقيا مع بعض وكل واحد منهما من مدرسة وثقافة وتوجه وفكر مختلف... بدل أن نرى هذا المشهد كإيجابية مهمة جدا تعطي أملا للمستقبل أنّ اللبنانيين عندما يكون عندهم إرادة وعزم وقادرين أن يجلسوا إلى بعض وأن يتفاهموا وأن ينجزوا وثيقة مكتوبة أيضا، بدأ "القواص" على هذا اللقاء لأنّه تارة ننظر إليه من زاوية الحسابات الوطنية وتارة ننظر إليه من زاوية الإصطفافات الجبهوية وتصفية الحسابات والشطب والإلغاء... علما أنّ المواد العشرة الموجودة في الوثيقة تخلو من أي أمر حزبي أو لها علاقة بحزبين وتيارين بل لها علاقة بأمور وطنية : لبنان والأسرى والمعتقلين والموقوفين والعلاقات مع سوريا والموضوع الفلسطيني وموضوع المقاومة والإصلاح الإداري وقانون الإنتخاب... لم نعمل ورقة تنظم علاقة حزبين أو تيارين إنما إطلالة على قضايا وطنية أساسية...
كان الرد على هذا اللقاء في  اليوم الثاني أنّه ما يسمى بهيئة متابعة 14 آذار ـ وبعدها فهمنا أنّ لا إجماع على هذا الموقف الذي صدر ـ أصدرت بيانا في الإعلام قالوا فيه أنّ سلاح حزب الله لم يعد يحظى بالإجماع الوطني. الجريمة التي ارتكبها حزب الله أنّه التقى مع التيار الوطني الحر والذي يقولون أنّه كان معهم وكان أساسيا في 14 آذار ... فطلع الرد على هذه الجريمة أنّ سلاح حزب الله لم يعد يحظى بالإجماع الوطني، وقبل جمعة لم يكن هذا الخطاب موجودا باسم هيئة المتابعة ككل. هنا اقول : أنا موافق، أقول لكم جميعا نحن لم نخسر شيئا نحن ربحنا، بمعنى أنّه لم يكن هناك إجماع وطني حتى نقول أنّه لم يعد هناك إجماع وطني. وأمّا بعض القوى في 14 آذار فهي لم تؤمن بالمقاومة ولم تؤيد المقاومة ولم تحتضن المقاومة ولم تحترم المقاومة منذ عام 1982 إلى اليوم، بل أكثر من ذلك بعض هذه القوى كانت في المشروع المعادي للمقاومة. نحن لا نريد أن نعود إلى الماضي، لكن أحيانا لأنهم يحاولون أن يضخوا في الحاضر صورة فيها شيء من التضليل قد نحتاج للعودة إلى بعض الماضي للتذكير، لأننا وصلنا إلى الزمن الذي يحتاج فيه الوطني الذي قدّم أعز ما عنده في سبيل الدفاع عن وطنه من أحباء ودماء إلى شهادة بوطنيته من الإسرائيليين.

إذا نحن لم نفقد الإجماع الوطني حول سلاحنا لأنّه لم يكن موجودا، هذا السلاح موجود لأنّ هناك ضرورة وطنية للمقاومة وهذه المقاومة تستند إلى الحق والقانون : طالما هناك عدوان واحتلال وتهديد ومواجهة. بعدها هذا الموضوع كيف ننظمه ونرتبه قلت أننا جاهزين للحوار. البعض نصحنا أن لا نقبل أساسا بالحوار ومن أجل أن نقبل بأصل الحوار يجب أن نحقق مجموعة من المكاسب، إنّ نفس قبولنا بالحوار بلا شروط لقبول الحوار وبلا شروط قبل الدخول إلى الحوار وبلا شروط على طاولة الحوار هو تنازل كبير جدا لمن يعرف عقلية وثقافة وتربية وتركيبة حزب الله. ولكننا خسرنا بهذا التنازل من أجل وطننا وبلدنا ومن أجل المصلحة الوطنية ومقتنعون بما نفعل وجادون بالحوار وحريصون أنّه إذا كان هناك صيغة جديدة تجعل من الذي يدافع عن البلد ليس فقط هؤلاء الشباب بل كل الشباب "ليش لأ". إذا كان هناك صيغة جديدة تصنع شهداء ليس فقط من هذه البيوت بل من كل البيوت "ليش لأ"، لا أحد يفترض أننا في هذا الموضوع نقطّع وقتا أو نهرب منه، بالعكس. وفي كل حال الكرة ليست في ملعبنا.

نحن إنشاء الله في هذا الأمر سنستمر، لتحرير الأرض وكل أسير ومواجهة الخروقات الإسرائيلية وحماية البلد إلى أن يتم وضع استراتيجية واضحة حول هذا الموضوع، هذا قرارنا وعزمنا، وأود أن أؤكد أن كل الصراخ وكل الشتائم وكل الانفعال وكل الغضب لا يمكن أن يثنينا عن القيام بواجبنا. إن قتلنا على الطرقات، والرصاص الذي قتل إخواننا وأخواتنا في 13 أيلول 1993 فسقط منهم الشهداء من الرجال والنساء لم يثن من عزمنا ولم يحرف وجهة سلاحنا، القتل والرصاص والدم عجز عن فعل ذلك، فلييأس الصارخون والمنفعلون والمهولون، نحن في هذا الأمر، نؤدي واجباً مقدساً لا تراجع عنه ولا تردد فيه. 

في الموضوع الداخلي، يجب أن نؤكد في ذكرى سيدنا السيد عباس وشيخنا الشيخ راغب ما كانا يؤمنان به، وأنا أعيده مجدداً، نحن جديون وحريصون جداً على أمن البلد وقرار البلد ومشروع الدولة والسلم الأهلي والعيش المشترك. النهوض بالبلد ومعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وهذا يحتاج إلى أن نضع يدنا بيد بعض. 

اليوم، بسبب الظروف السياسية القائمة هناك أكثر من خطاب: اللبنانيون يريدون أن يختاروا، اليوم هناك مرحلة حساسة ومصيرية جداً، هناك خطاب يتحدث عن الشراكة وعن التوافق، وعلينا أن نتذكر في كل الأحوال أن الأكثرية هي مسألة متقلبة، اليوم أنت أكثرية، وغداً ربما غيرك أكثرية، الذي يبني البلد هو التوافق في المسائل الأساسية. لا نريد أن نغيّر الدستور ولا ما شاكل، وإنما نقول هناك خطاب يتحدث عن الشراكة وعن التوافق وعن الحوار وأن هناك إمكانية لدينا نحن كلبنانيين أن نصل إلى نتيجة مع بعضنا البعض والذي قلته عن حزب الله والتيار الوطني الحر هو نموذج. وقبل هذا، نحن عندما ذهبنا وصنعنا التحالف الرباعي: تيار المستقبل والحزب التقدمي الاشتراكي من 14 آذار وحركة أمل وحزب الله من 8 آذار استطاعوا على مسافة صغيرة من 14 آذار ومن 8 آذار أن يصنعوا تحالف سياسي. لكن بعدها (قالوا ) لا، (نقول) مرتين لا، لا مشكلة في ذلك.

التحالف الرباعي، والتقطيع عن القوات اللبنانية وغيرها في انتخابات بعبدا – عاليه، هذا يدل أن اللبنانيين قادرون أن يجلسوا ويتحاوروا مع بعضهم البعض بالرغم من كل الظروف القاسية. اليوم، لقاء حزب الله والتيار الوطني الحر يدل على أن اللبنانيين قادرون على أن يتحدثوا مع بعضهم، لكن دعوهم يجلسوا مع بعضهم البعض. 

وهناك خطاب آخر، يقول : يا إخوان نريد أن نهدأ الأمور، السلم الأهلي خط أحمر. أنت تتحدث عن التواصل، فيما بالمقابل يتحدثون عن قطيعة. تتحدث عن الشراكة، فيحكى عن العزل والإلغاء والشطب. تتحدث عن السلم الأهلي، وتنظم مظاهرة وتضبط شعاراتها وتمنع أي شعار يحدث فتنة مذهبية، لكن هل الذين نظموا تظاهرة 14 شباط يتحملون مسؤولية الشعارات التي أطلقت وكتبت ورفعت، هذه الشعارات أين تضع البلد؟ اليوم، نحن أمام خطاب لا نستطيع أن نختبئ وراء أصابعنا ونجامل، سمعنا قبل يومين خطاب سياسي يضع البلد أمام حرب أهلية، أنا لا أبالغ، أنا أوصف: جزء كبير من الخطاب وليس كله يضع البلد أمام حرب أهلية، كان هناك جزء من الخطاب معقول ومتوازن، لكن هناك جزء من الخطاب أساسي يضع الشعب اللبناني ولبنان أمام حرب أهلية بلغته وشتائمه وأدبياته وتصعيده وسقفه العالي وتنكره لكل الأسس التي يقوم عليها الوضع في لبنان اليوم. أنا بكل صراحة أريد أن أقدم وصفاً وأقول: ما جرى يوم 14 شباط في جزء كبير منه لا يعبّر عن صورة مدينة بيروت المقاومة العربية الصادقة، ولا يعبّر عن صورة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهو الانقلاب، وليس وثيقة حزب الله والتيار العوني إنقلاب على الطائف، لا يوجد شيء في الوثيقة ضد الطائف. يا أخي، أستغفر الله، نسينا كلمة الطائف، كل الجريمة التي ارتكبتها تلك الوثيقة أنه في أولها وآخرها لا توجد كلمة طائف، أستغفر الله ربي وأتوب إليه، لكن أين هو الطائف في خطاب يوم الثلاثاء؟ أين هو البيان الوزاري؟ الطائف هو أساس الدولة، والبيان الوزاري هو أساس الحكومة، أين هو الطائف وأين هو البيان الوزاري؟ وهل يبنى لبنان والوحدة الوطنية في لبنان والدولة في لبنان والحكومة في لبنان، وهل يحضر لمؤتمر بيروت 1 من أجل معالجة القضايا الاقتصادية، وهل يقطع الطريق على الفتنة الداخلية في لبنان بمثل خطاب "البحر من أمامكم والعدو من ورائكم"؟؟  هذا الأمر هو ما شهدناه يوم الثلاثاء. وأنا أقول ما جرى يوم الثلاثاء يحمّل الحكومة اللبنانية وأيضاً الأخوة في تيار المستقبل مسؤولية أكثر, لا يستطيعون أن يقفوا في النصف، إما (أنتم) مع هذا الخطاب أو لستم مع هذا الخطاب حتى نعرف. لا يكفي أن يُقال أن بعض أصدقائنا هاجم بعض أعزائنا في تيار المستقبل حتى يُسكت عن هذا الخطاب. المسألة هنا ليست من شتم من، المسألة هنا مسألة الخيارات السياسية الاستراتيجية للبنان، هذه هي المسألة.
 
سأقول لكم "نكتة"، هذه المسكينة منطقة مزارع شبعا، السوريون يقولون هذه ليست سورية، الفلسطينيون يقولون هذه ليست فلسطينية، وحتى الإسرائيليون لم يقولوا أنها جزء من كيانهم الغاصب، ثم يأتي بعض اللبنانيين ويقولون هذه ليست لبنانية، إذاً ما هي هذه!. يبدو أننا سنحتاج في مستقبل الأيام إلى إضافة دولة إلى الجامعة العربية اسمها جمهورية مزارع شبعا العربية. 

نحن اليوم كلنا نقول لبنان أولاً، نعم. هل يعني لبنان أولاً أن نتخلى عن أرض لبنانية؟ تصوروا أن السوري يقول هذه الأرض لبنانية وليست سورية فنقول له لا، اتنا بالدليل؟ هذه الأرض لي وأنا أملك الدليل، يأتي من يقول لا، الأرض له وعليه أن يأتي بالدليل. هذه مناكفة وليست قانون وليست سياسة. لبنان أولاً، هل يعني التخلي عن أرض لبنانية؟ لبنان أولاً هل يعني ترك الأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية أم لا ؟ عل كل حال، عندما تنجز المقاومة استحقاق تحرير الأسرى سنرى لبنان أولاً في موضوع الأسرى. هل لبنان أولاً، يعني أن نترك إسرائيل تجتاح أجوائنا في كل يوم وتخترق مياهنا الإقليمية وتهدد حدودنا، وهي تفعل ذلك ولم تعد عدواً؟ هل هذا لبنان أولاً، نريد أن نعرف. لبنان أولاً، هل يعني أن أقول أنا وأنت ما نرى حقاً أنه مصلحة لبنان ولو اختلفنا في وجهات النظر، أنا أوافق، أنت تتهمني وتقول أنت تتكلم بدوافع من سوريا وإيران وأنا أقول لك: لست كذلك. نحن نقول ونفعل ما نرى فيه مصلحة بلدنا، عندما وقف حزب الله والتيار الوطني الحر على مبدأ إقامة علاقات دبلوماسية مع سوريا، هل أخذت إذناً من سوريا أو أعطيتهم علماً قبل ذلك، أبداً، أنا لم أفعل ذلك ولا أفعل ذلك، لكن يجب أن تطمئنوننا أيضاً أنكم عندما تتكلمون وتصعدون وتغيرون مواقفكم أن هذا لم يكن بطلب من جورج بوش وكندوليزا رايس. 

اللبنانيون ليسوا بحاجة إلى أن ينخرطوا في أحلاف، ونحن لسنا منخرطين في حلف، نحن لنا ثوابتنا مواقعنا ورؤيتنا قبل الأحلاف ومع الأحلاف وبعد الأحلاف. ما نقوله عن لبنان، ما نقوله عن فلسطين، ما نقوله عن إسرائيل، ما نقوله عن إيران، عندما كانت سوريا في لبنان وبعدما خرجت سوريا من لبنان، وقبل النووي الإيراني وبعد النووي الإيراني، قبل فوز حماس وبعد فوز حماس، لم يتغير لدينا شيء. نعم، نحن كلبنانيين لسنا بحاجة إلى أحلاف، ما نحتاج إليه كلبنانيين هو أن نتواصل، ونتحاور ونحل مشكلاتنا في ما بيننا، ولكن إذا أصر البعض على ضم لبنان إلى أحلاف دولية تخوض حروباً دولية ووضعنا بين خيارين: بين أن نكون في حلف يمتد من غزة إلى بيروت إلى دمشق إلى طهران إلى أي عاصمة في العالم إلى أخونا شافيز في فانزويلا، وبين حلف آخر، حتى أكون واضحاً وصريحاً، الآن لسنا في حلف ، ولكن إذا وضعنا بين حلفين، بين هذا الحلف وبين حلف آخر يمتد من تل أبيب إلى أمريكا وغير أميركا قطعاً سنكون في الحلف الأول. نحن لا نتنكر لا لانتمائنا ولا لثقافتنا ولا لتاريخنا ولا لفكرنا، خطابنا في لبنان، دعوة لكل اللبنانيين، نعم، لنضع الأحلاف جانباً، ولنعمل جميعاً لمصلحة لبنان، لحمايته وقيامته وقيامة دولته ووحدته الوطنية ومعالجة أزماته الإقتصادية وبناء دولته القوية القادرة التي تحمينا جميعاً وتعالج مشاكلنا جميعاً، هذا لا يمكن أن يتم بالأحلاف، ولا باللغة التي استمعنا إليها قبل أيام.

في ذكرى السيد عباس والشيخ راغب، شهداء الحب والتواضع والزهد والمقاومة والجهاد والإخلاص، باسمهم وباسم كل إخوانهم وأخواتهم، بنات الشهيدة السيدة أم ياسر وكل الذين ينتمون إلى هذا الخط وإلى هذا الطريق، وأستطيع أن أقول باسمي واسم إخواني في حركة أمل، أعيد وأؤكد وأقول: بالرغم من كل ما سمعناه يدنا ممدودة للجميع، والجميع مدعو إلى منطق وحيد هو منطق الحوار، في غير هذا المنطق الكل خاسر.