الصفحة الرئيسة القائمة البريدية البحث



خطابات ذكرى القادة

تصغير الخط تكبير الخط طباعة الصفحة

كلمة السيد نصر الله في ذكرى الشهداء القادة 17-2-2005


كلمة الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله في المجلس المركزي الليلة التاسعة، والذي يقيمه لمناسبة ذكرى عاشوراء الإمام الحسين (عليه السلام) وذكرى استشهاد سيد شهداء المقاومة الإسلامية السيد عباس الموسوي وزوجه وطفله وذكرى شيخ شهداء المقاومة الإسلامية الشيخ راغب حرب، والتي ألقاها مساء الخميس 17/2/2005م، وهذا نصّها : 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والحمد الله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا خاتم النبيين أبي القاسم محمد ابن عبد الله (ص) وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين والشهداء والمجاهدين في سبيل الله منذ آدم إلى قيام يوم الدين.
السلام عليك يا سيدي ويا مولاي يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم منّي سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم، السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين.
السادة العلماء والسادة النواب، سعادة سفير الجمهورية الإسلامية في بيروت، عوائل الشهداء، الإخوة والأخوات، الحفل الكريم، السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

فيما روي من حديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال :" والذي نفسي بيده، لوددت أنّي أقتل في سبيل الله، ثمّ أحيا ثمّ أقتل ثم أحيا ثمّ أقتل" ، رسول الله الأعظم المطّلع على الحقائق إطّلاع يقين يتمنّى هذه الأمنية. وفي حديث آخر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال :" ما من أحد يدخل الجنّة يحب أن يرجع إلى الدنيا" تصوروا أنّ أحدا دخل إلى الجنة بنعيمها وسلامها وهدوئها وروحها وريحانها ورضوانها ثمّ يحب أو يتمّنى أن يعود إلى هذه الدينا وما فيها من مصائب وامتحانات وبلاءات وآلام ومعانات ومشقات، من الطبيعي أن لا يحب أحد أن يرجع إلى الدنيا، ولكن هناك استثناء يتحدث عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في هذه الرواية. "ما من أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وأنّ له ما على الأرض من شيء" حتّى لو قيل له أنّ كل ما على الأرض لك. وفي رواية أخرى "... وأنّ له الدنيا وما فيها" أوسع من الأرض، "إلاّ غير الشهيد فإنّه يتمنّى أن يرجع" لكن أن يرجع إلى ماذا ومن أجل ماذا، "غير الشهيد فإنّه يتمنّى أن يرجع فيقتل عشر مرات لما يرى من الكرامة". يعني هذا الشهيد الذي دخل الجنة لعظيم الكرامة التي يشاهدها هناك وما أعده الله سبحانه وتعالى للشهداء من درجة وفضل وكرامة يتمنّى لو يتمكن من العود إلى الدنيا ليقتل ثمّ يعود إليها ثمّ يقتل في سبيل الله ثمّ يقتل في سبيل الله عشر مرات نتيجة هذه المشاهدة القطعية التي يصل إليها الشهيد في تلك الدار الآخرة. 
ولذلك نستطيع أن نفهم بعض كلام أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم عن الموت عندما نستمع إلى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام وقد حاول البعض ان يتهمه بالخوف من الموت أو الجزع منه، قال عليه السلام :" لإبن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه". لو أتينا إلى الطفل الرضيع أكثر وأعظم ما يؤنسه في هذ الدنيا هو أن يكون في حضن وحجر أمّه ويرضع من ثدي أمّه، هذا الأنس الذي لا يمكن أن نتصوره ونحن كبار يقول علي عليه السلام أنّه آنس بالموت من الطفل بثدي أمّه، وهنا نستطيع أن نفهم كلام سيد الشهداء عليه السلام :" إنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة"، كيف يمكن أن يتحول الموت إلى أنس وكيف يمكن أن يصبح الموت سعادة والموت له وقاره وهيبته وذعره وصورته المرعبة وله آلام الفراق والوحشة والغربة، كيف يمكن أن يصبح الموت حالة أنس وكيف يمكن أن يصبح الموت سعادة؟ إلاّ استنادا إلى المنطق النبوي الشريف الذي يخبر خبر اليقين عن ربِّ الخلائق عن كرامة ومقام ودرجة الشهداء.
من هذه المدرسة كان قادتنا وعلماؤنا ومجاهدونا وشهداؤنا ورجالنا ونساؤنا وعوائل شهدائنا وجرحانا وأسرانا وكل المضحين الذين حملوا هذا الفكر وهذه الروح وهذه الثقافة ومضوا في هذا الطريق. هكذا كان الموت لقلب السيد عباس وهكذا كانت الشهادة عند الشيخ راغب، كما كانت عند قلوب الرجال والنساء وحتّى الشبّان في كربلاء عندما، يسأل الحسين عليه السلام ابن أخيه القاسم وهو شاب صغير لم يبلغ الحلم : كيف تجد طعم الموت عندك يا بني؟ فيقول له أنّه أحلى من العسل!، كيف يمكن أن يصبح طعم الموت الكريه أحلى من العسل إلاّ بهذا اليقين وبهذا الفكر وبهذا الإيمان والعقيدة والإلتزام. 

وهنا أيضا جانب من قوة المقاومة  التي نحي في هذه الليلة بشكل مشترك ذكرى سيدها الأعظم والأكبر أبي عبد الله الحسين عليه السلام لأنّ كل ما عندنا على امتداد التاريخ بعد سنة 60 للهجرة وكما يقول إمامنا الراحل السيد الخميني قدس سره الشريف : "إنّ كل ما عندنا هو من عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام"، ومقاومتنا هي من عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام، ثقافتنا وشعاراتنا وحماستنا وعاطفتنا ومواقفنا وتجربتنا وروحنا هي من عاشوراء الإمام الحسين عليه السلام. وفي نفس الوقت نحي ذكرى قائدين عزيزين سيد شهداء المقاومة الإسلامية أميننا العام وقائدنا وأستاذنا وأبينا وأخينا الأكبر سما-حة الشهيد السيد عباس الموسوي الذي قضى في سبيل الله وحقق الأمنية التي طالما تطلّع إليها مع زوجته السيدة الفاضلة العالمة المجاهدة الحاجة أم ياسر وطفلهما حسين الذي ما كان يفارقه في الدنيا وأبي أن لا يفارقه حتّى في الرحيل إلى الآخرة، وذكرى شيخ الشهداء شيخنا السبّاق إلى الجهاد والموقف وإلى السلاح وإلى الشهادة الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب، ومعهما نستحضر كل شهدائنا وتضحياتنا وآلامنا ومعاناتنا وانتصاراتنا وكل آمالنا، وبهما نستهدي ونستقوي ونستعين على حاضر الأيام والمستقبل الآتي بالفتن كقطع الليل المظلم لأنّ هذا هو حال الدنيا، الدنيا التي بنيت على قاعدة الإبتلاء والإختبار والإمتحان، ومن تجاوز امتحان بنجاح عليه أن لا يتوقع راحة بال بل عليه أن ينتظر المزيد من الإمتحانات الأصعب والأقسى.

أيها الإخوة والأخوات، أنتم عايشتم وعاصرتم وتعرفتم على السيد عباس وعلى الشيخ راغب وبالتالي لست بحاجة لأن أكرر على مسامعكم المزايا والصفات الراقية والعظيمة والرائعة التي كان يتمتع بها هؤلاء القادة. ولكن أريد أن أستفيد من بعض الوقت لأقف أمام ما يحقق حفظ هذا الدم الزكي وحفظ الوصية والأهداف التي قضوا من أجلها شهداء. العنوان الأكبر فيما تركه لنا سيد شهداء السيد عباس حفظ المقاومة، والذي أيضا بشكل أو بآخر وبعبائر مختلفة ـ كانت دائما وصايا وإرادة ورغبة شيخ الشهداء. حفظ المقاومة كلمتان ولكنها مسؤولية عظيمة وجسيمة وكبيرة. اليوم نشعر بعظمة هذه المسؤولية أكثر من أي وقت مضى، اكثر من عام 92 و 93 و 94 و96 و 2000. اليوم لما يمر به لبنان  ومنطقتنا وأمّتنا من أحداث وتطورات خطيرة وكبيرة نشعر أنّ المسؤولية أخطر، واتصور أنّ السيد عباس كان يتطلع إلى ما هو أصعب وأخطر ليوصي في ذلك الحين بحفظ المقاومة بشكل آكد. 

نعم، اليوم نحن جميعا الذين ما زلنا على قيد الحياة وما زلنا على العهد مع الله ومع الشهداء أمام هذه المسؤولية الكبيرة والجسيمة، المواجهة بيننا وبين الصهاينة والمشروع الصهوني ما زالت قائمة.  بعد  عام 2000 سقط إلى حدٍّ كبير الخيار العسكري، والإسرائيلي لو كانت لديه خيارات عسكرية  لأقدم عليها دون خطوة الإنسحاب المذل في أيار عام 2000. عندما وصل الصهاينة إلى قرار الإنسحاب والإندحار من لبنان كانوا قد استنفذوا كل الخيارات وكل الوسائل والأساليب وأيقنوا أن لا سبيل في مواجهة هذه المقاومة المخلصة الصادقة الواعية الحثيثة الملتزمة المتجذرة المصممة العازمة الشّابّة التي لا تشيب، فخرجوا، ولكن  منذ ذلك الحين لم يهدأ لهم بال ولم يغمض لهم جفن بمواجهة هذه المقاومة، وفي المقابل المقاومة لم يهدأ لها بال ولم يغمض لها جفن بمواجهة الإحتلال والعدوان والمشروع الصهيوني. 

إذا استبعدنا الخيارات العسكرية بعد عام 2000 وأنا أعتقد أنّها ما زالت في المدى المنظور مستبعدة، ذهب الصهاينة للعمل على خيارين الأمني وليس بجديد والسياسي. الأمني بمحاولة النيل من قيادات المقاومة وكوادها ومعنويات المقاومة ولم يستطيعوا أن يحققوا إنجازات هامة على هذا الصعيد. والسياسي وهو الأهم والأخطر، السعي الصهيوني الدؤوب من أجل محاصرة المقاومة في لبنان ولاحقا المقاومة في فلسطين، محاصرتها في كل العالم على المستوى الدولي والإقليمي وحتّى على المستوى المحلي  في لبنان وهذا هو التحدي الأخطر الذي واجهناه في السنوات القليلة الماضية ونواجهه اليوم وفي المرحلة المقبلة.

المسعى الصهيوني بالدرجة الأولى يهدف إلى إقناع العالم ودولها وحكوماتها والمجتمع الدولي ومؤسسات المجتمع الدولي أنّ المقاومة في لبنان والتي يشكل حزب الله عنوانها الأبرز هي تنظيم إرهابي ومنظمة إرهابية، ويفكر الصهاينة أنه إذا وفِّقوا وسلّم العالم لهم بذلك فهذا سيعني حكما حربا دولية وعالمية على المقاومة تحت عنوان الحرب على الإرهاب الدولي وتجفيف مصادر التمويل وإنهاء مصادر الدعم المادي والسياسي والمعنوي وكم الأفواه سواء كان صوتا للمقاومة أو صوتا مؤيدا لها، الضغط على الدول التي تحمي المقاومة بشكل أو بآخر، الضغط على إيران وسوريا ولكن بالتحديد على الدولة اللبنانية لتصنيفها دولة داعمة للإرهاب.
بكلمة موجزة، الصهاينة الذين عجزوا عن إنهاء المقاومة في لبنان بجيشهم وموسادهم ومخابراتهم وطائراتهم وبكل أسطورتهم العسكرية التي انهارت تحت أقدام أبنائكم الشهداء والمجاهدين يحاولون من خلال العمل السياسي والعلاقات الدولية حل مشكلتهم، يريدون من العالم أن يحل لهم مشكلتهم في لبنان وفلسطين، ويريدون محليا من اللبنانيين أنفسهم أن يحلوا لإسرائيل مشكلتها في لبنان ويريدون محليا في فلسطين من الفلسطينيين أنفسهم أن يحلوا لإسرائيل مشكلتها في فلسطين. هذا هو الاتجاه الذي عمل عليه الإسرائيليون بجد بشخص رئيس وزرائهم ووزير خارجيّتهم وسخروا لها كل المنظمات اليهودية الصهيونية واللوبيات الصهيونية في العالم وركزوا على هذه النقطة، كل جهد مالي وسياسي وإعلامي ومخابراتي ودراساتي استخدم في هذا الاتجاه.

لو عدنا بالذاكرة قليلا وهنا سأذكر نماذج، عندما حصلت أحداث 11 أيلول والأمريكيون ضائعون ولا يعرفون ما حدث ولا يزالون يلمون أشلاء القتلى، تخرج وسائل الإعلام الإسرائيلية والصحف الإسرائيلية والمسؤولون الصهاينة  في فلسطين المحتلة وفي أمريكا نفسها وفي أماكن أخرى من العالم لتتهم مباشرة حزب الله في لبنان بتفجيرات وعمليات 11 ايلول، وطبعا لم يصدقهم الأمريكيون بسرعة لأنهم كانوا ضائعين. بعد ذلك تبنّى تنظيم القاعدة العمليات بشكل أو بآخر أو اتهم تنظيم القاعدة بشكل أو آخر فقلب الصهاينة الإسطوانة لخطوة ثانية، ليقولو: نعم، تنظيم القاعدة هو الذي نفذ عمليات 11 أيلول ولكن بتنسيق وتعاون مع حزب الله، وبدؤوا يبحثون عن علاقة ما وصلة وصل وعن خيط اتصال بين حزب الله وتنظيم القاعدة ولم يجدوا شيئا من هذا على الإطلاق لأنه ليس هناك شيء من هذا على الإطلاق، وفشلوا في استخدام 11 أيلول لتقديم حزب الله في لبنان على أنّه تنظيم إرهابي. هكذا حاولوا أن يفعلوا أيضا بالنسبة إلى حماس وبالنسبة إلى الجهاد الإسلامي في فلسطين، ووجهوا لهما اتهامات الإتصال والتعاون والتنسيق مع تنظيم القاعدة من أجل أن يجروا العالم والمجتمع الدولي إلى حرب على حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي.

بعد ذلك كبر الكلام الإسرائيلي وهنا  كانت استجابة أمريكية للأسف الشديد وبريطانية ومن بعض الدول أيضا عن امتدادات خارجية لحزب الله وفروع خارجية لحزب الله، وعندما يتحدث بعض المسؤولين الأمريكيين تتصور أن حزب الله في أمريكا هو أقوى من كل أجهزة الاستخبارات الأمريكية، يتحدثون عن حزب الله كأنه قوة دولية ممتدة في كل أنحاء العالم، يصنعون الأكاذيب ثمّ يصدقونها. 

في هذه النقطة يجب أن أوضّح لأننا أمام موقع مسؤولية تجاه المرحلة التي نعيشها، يجب أن اقدم هذا التوضيح وهذه المقدمة لأنّها تساعد أيضا في مواجهة بقية الإتهامات التي يركز عليها الإسرائيليون في مثل هذ الأيام، سواء في الموضوع الفلسطيني أو في الموضوع العراقي. نحن نتمتع باحترام في لبنان والعالم العربي والإسلامي وفي كل مكان يوجد فيه إنسان حر وشريف ومظلوم وهذا الإحترام سواء من الذين يتبعون نفس الدين الذي نتبعه أو أتباع الديانات الأخرى في أي مكان من العالم إنما اكتسبته المقاومة في لبنان بفعل تضحياتها وشهدائها الكبار وفي مقدمهم السيد عباس (الموسوي) والشيخ راغب (حرب) وأدائها وتجربتها وإلتزامها الأخلاقي والوطني والسياسي وصولا إلى مرحلة الإنتصار وأدائها الإنساني في مرحلة الإنتصار وتواضعها في مرحلة الإنتصار، نحن نفخر بأننا نحظى باحترام كبير ولكن لم نحاول أن نوظف هذا الإحترام في أي مكان من  العالم العربي أو الإسلامي أو أي مكان آخر في العالم لنوجد امتدادات حزبية أو جسدية لتنظيم حزب الله في لبنان، علما أنّه عام 2000 كانت هناك أرضية خصبة لنفعل ذلك في داخل فلسطين أو أي مكان من العالم العربي والإسلامي حيث كان هناك علماء ومفكرون وأساتذة جامعات ورجال ونساء وشباب كلهم مستعدون ليكونوا امتدادا تنظيميا لحزب الله في لبنان، ولكن لم تكن هذه قناعتنا ولم تكن هذه مسؤوليتنا. 

حتى في سنوات المقاومة والعمل اليومي وحتّى بعد الإنتصار كان دائما يتصل بنا رجال وشبان من كل أنحاء العالم العربي والإسلامي يريدون أن ينتظموا في صفوفنا وأن يأتوا إلى لبنان ليقاتلوا معنا أو أن يكونوا حيث هم جزء من تشكيلاتنا في دولهم وبلدانهم وكنا نرفض ذلك ونقول لهم لدينا مقاتلون بعدد كبير ولسنا بحاجة إلى مقاتلين، إذا كنتم تؤمنون بالمقاومة ادعموها معنويا وادعو لها، إذا كان لديكم مال ترسلوه فلا مانع لأنّه يساعد في تقوية المقاومة وترتيب بعض المؤسسات ذات الطابع الإجتماعي والإنساني ولكن لا نريد إقامة تشكيلات عندكم ولا نريدكم أن تأتوا إلينا، وهذه كانت قناعة حزب الله واستراتيجيته. ولذلك نفينا أنا وإخواني في أكثر من مناسبة أن يكون أي تنظيم في أي مكان في العالم يحمل اسم حزب الله أن يكون امتدادا لنا في لبنان. نحن بكل تواضع نعرف حدودنا ومسؤولياتنا وإمكانياتنا جيدا ولا نتعدى هذه الحدود، نحن ـ وبوضوح كامل ـ حركة إسلامية في لبنان نهضت بمشروع المقاومة إلى جانب مقاومين آخرين وقاتلت الإحتلال وأخذت على عاتقها مقاومة الاحتلال ومواجهة المشروع الصهيوني في لبنان والمنطقة، هذه هي مسؤوليتنا وهذه هي رسالتنا، وخارج هذه الحدود نحن لم نتحمل أي مسؤولية ولا نستطيع أن نتحمل أي مسؤولية لأنّ الله لا يكلف نفسا إلاّ وسعها، مع العلم أنّ هذ المواجهة التي كنّا فيها ولا زلنا فيها لا تكفيها طاقاتنا وإنّما هي بحاجة إلى طاقات كل هذ الأمّة. لذلك ليس لنا أي امتداد تنظيمي لا في فلسطين وليس هناك فصيل يتبع لحزب الله ولا شبكات تنظيمية في فلسطين، وليس لدينا تنظيم ولا شبكات تنظيمية في العراق ولا في أي مكان في العالم فضلا عن أن يكون لنا فرع خارجي. بعض الصحافيين والباحثين الأمريكيين الذين التقوا معي، قلت لهم، حسنا،  اسألوا هؤلاء المسؤولين في الإدارة الأمريكية هذا الفرع الخارجي إلذي عمره 20 عاما إلى متى نخبأه ولماذا لم يبين إلى الآن منذ عشرين سنة؟...

لقد عمل الصهاينة أيضا بكل قوة وتركيز بمحاولة إقناع العالم بأن لحزب الهل امتدادات خارجية تعمل خارج دائرة المقاومة لأرض محتلة في لبنان وبالتالي حزب الله هو تنظيم إرهابي ومنظمة إرهابية، وبالفعل استطاعوا أن يقنعوا بعض الدول مثل كندا واستراليا ومؤخرا هولندا، وهناك عدد من الدول الأوروبية اقتنعت ولكن هناك عدد آخر من الدول الأوروبية لم تقتنع حتّى الآن. مؤخرا في الأسابيع الماضية جاء الصهاينة ليعملوا على خط  الموضوع الفلسطيني وأن يصوروا أنّ المشكلة في فلسطين هي حزب الله، يعني أنّه ليس هناك مشكلة  الأرض الفلسطينية المحتلة وليس هناك مشكلة 8000 معتقل فلسطيني في السجون الإسرائيلية، وليس هناك مشكلة تدمير المنازل والمزروعات وقتل الفلسطينيين في الصباح وفي المساء، ولا بالمقابل يعترفون بوجود مقاومة فلسطينية حقيقية جدية وهي موجودة بالفعل، وأصبحت كل المشكلة التي يسلط الإسرائيليون الأضواء عليها في إعلامهم وزياراتهم إلى العالم ويطلبون تدخل دولي وأوروبي وعربي لدى حزب الله، لماذا، لأنّ حزب الله يريد تخريب الهدنة في فلسطين أو يضرب الهدوء في فلسطين أو يفشل مساعي السلم في فلسطين.

وركز الصهاينة على أمرين أساسيين، الأول : الإتهام بأنّ حزب الله يخطط لقتل أبو مازن رئيس السلطة الفلسطينية المنتخب وأشاعوا هذا في كل مكان من العالم ووصل الأمر أن بعض وسائل الإعلام تقول أن أبو مازن شخصيا قلق من هذه الزاوية وهو يقول لضيوفه ذلك، أنا أشك بهذه المعلومات ولا أعتقد أنّها صحيحة، ولكن الإسرائيليون عملوا على ذلك، وحتى قبل يومين عندما ذهب (سلفان) شالوم إلى باريس كان يريد أن يقنع الفرنسيين بأنّ عامود خيمة التسوية والحل السلمي في فلسطين هو أبو مازن وحزب الله يريد أن يقتله!. طبعا هذا كذب وافتراء وعدوان ودجل وكلام لا أساس له من الصحة ولا يجوز أن ينطلي على أحد في فلسطين لا على أبو مازن ولا على أحد في السلطة الفلسطينية ولا على أي عاقل في العالم. وطبعا أنا أرسلت من خلال أصدقاء مشتركين أنّ هؤلاء يريدون إيقاع الفتنة بين حزب الله والفلسطينيين من خلال هذه الكلام، وأقول أكثر من ذلك : إذا أصر الإسرائيليون على توجيه هذا الإتهام فأنا أخاف على أبو مازن من الإسرائيليين أنفسهم وبالتالي عليهم أن يحذروا هناك حيث يأتي الغدر والخداع والشر.

الأمر الآخر ركّز الصهاينة على أنّ حزب الله يحاول إقناع حماس والجهاد وشهداء الأقصى وبقية الفصائل بأن لا تلتزم بمساعي التهدئة القائمة وهذا أيضا غير صحيح، وهنا أعيد على مسامعكم ما قلته قبل سنة ونصف في بلدة جبشيت في آخر ذكرى سنوية أقمناها هناك لاختطاف سماحة الشيخ عبد الكريم عبيد، وكان هناك هدنة في فلسطين لمدة شهرين وكان هناك أيضا بلبلة في الشارع العراق حول الخيارات المطروحة لمواجهة الإحتلال، البعض يريد أن يذهب إلى المقاومة المسلحة والبعض يريد أن يمارس العمل السياسي... وفي ذلك الحين قلت كلاما أعيد بعضه باختصار شديد الآن لأقول للتذكير وللتأكيد: سياستنا في فلسطين أننا لسنا بديلا عن الحركات والفصائل الفلسطينية، ولسنا بديلا عن الشعب الفلسطيني ولسنا أمامهم ولسنا في عرضهم نحن وراءهم.  الشعب الفلسطيني هو الذي يقاتل ويقاوم ويضحي ويقرر ولديه قيادات إسلامية ووطنية شجاعة وحكيمة وصادقة ومسؤولة ونحن نعرفهم ونشهد لهم بذلك، وهم الموجودون في الميدان، وهم المصممون على تحرير أرضهم، ولهم كامل الحق كما كان لنا الحق أن نقبل بشكل أو بآخر باتفاق تموز عام 93 لأننا وجدنا فيه مصلحة لمشروع المقاومة واستراتيجيتها، وكما كان لنا الحق على أن نقبل ونوافق على تفاهم نيسان عام 96 لأننا كنا نرى فيه مصلحة واستراتيجية للمقاومة، فمن حق الفصائل الفلسطينية والجهاد وحماس وشهداء الأقصى أن يتخذوا الموقف الذي يرونه مناسبا إن أرادوا أن يصعدوا أو أرادوا أن يهدّئوا أو أرادوا أن يعطوا فرصة لأبي مازن أو للسلطة أو للمفاوضات أو يفرضوا بعض الشروط فهذا شأنهم، ونحن لسنا فقط على الحياد في هذه المسألة، نحن ندعمهم فيما يقررونه هم. نعم، نحن لدينا تجربة في لبنان، إخواننا الفلسطينيون أحيانا قد يستفيدوا من تجربتنا في لبنان وهذه ليست تهمة، نحن استفدنا من تجربة المقاومة الفلسطينية قبل عام 1982، وقرأنا تجربة المقاومة الفيتنامية واستفدنا منها، هل هذا يعني ان الفيتناميّين كانوا يديرون المقاومة في لبنان؟ نحن قرأنا تجارب مقاومات شعبية في العالم وحروب عصابات في العالم واستفدنا من هذ التجارب. لكن الذي يقرر في الساحة الفلسطينية هم الفلسطينيون أنفسهم وإذا ما قرروا التهدئة نحن معهم وإذا قرروا أن يقاوموا وأن يصعدوا فهذا شأنهم ونحن معهم، نحن مسؤوليتنا ـ وليس فقط في حزب الله بل الأمّة كلها والعرب والمسلمون والأحرار في العالم ـ  أن ندعم هذا الشعب الفلسطيني من أجل استعادة حقوقه المشروعة ولكن ليست مسؤوليتنا على الإطلاق أن نقرر بالنيابة عنه، هذه سياساتنا الحقيقية ونحن في هذا لا نجامل ولا نقول شيئا ونفعل شيئا آخر.
حتّى الإسرائيليون اليوم، لم يستطيعوا أن يثبتوا شيئا من هذا بل بالعكس، من الذي نقض التهدئة في فلسطين هل هي حماس أو الجهاد الإسلامي أو كتائب شهداء الأقصى أو فصائل المقاومة الفلسطينية أو حزب الله حيث أرسل مقاتلين إلى داخل فلسطين المحتلة ونقض الهدنة أو التهدئة ؟! الذي فعل ذلك هم الإسرائيليون أنفسهم في أكثر من مرة حتّى الآن واستشهد بسبب اعتداءاتهم عدد من الفلسطينيين المظلومين. و "بعد ناقص شغلي أن يقولو إنّو حزب الله مخترق الجيش الإسرائيلي والخروقات الأمنية تبع حزب الله بالجيش الإسرائيلي قوّست على الفلسطينيين وقتلتهم لحتى يخربو التهدئة بفلسطين".

في الموضوع العراقي نفس الأمر، بعض أصدقاء أمريكا وأصدقاء إسرائيل في العراق أتوا على نفس الموجة والنغمة، وفي مؤتمر يجتمع فيه أكثر من 50 دولة ومؤسسات عربية ودولية وإسلامية يقف أحد المسؤولين العراقيين ليقول أن حزب الله متورط في أعمال العنف في العراق، ما هي أعمال العنف : إذا كان يقصد قتال المحتلين فهذا شرف لا ندعيه، وإذا كان يقصد قتل الناس والمدنيين فهذه جرائم ندينها ونبرأ إلى الله منها. ولكن هو قال إنّ حزب الله متورط في أعمال العنف في العراق والدليل العظيم لديه أن هناك 18 شاب لبناني من حزب الله معتقلين في العراق، حسنا أين هم هؤلاء؟ وقد تبين بعد ذلك أن هذا الكلام لا أساس له من الصحة، لكن هذا لم يكن صدفة ولم يكن بلا عمد أو قصد وإنّما هو جزء من الحملة : هناك عنف في العراق إذاً حزب الله موجود في العراق، هناك عنف في فلسطين إذاً حزب الله موجود في فلسطين، هناك عنف في أي مكان من العالم إذاً حزب الله موجود، هناك أمر ونحمد الله أنّه لم نحمل مسؤوليته وهو الـ "تسونامي". 

أيضا قلت في تلك المناسبة في الموضوع العراقي ـ وأزعج كلامي الكثيرين وكتبوا لي رسائل مفتوحة ـ أنّ الشعب العراقي شعب حي وعظيم وكبير وفي العراق مرجعيات دينية وقيادات إسلامية ووطنية في الشيعة والسنة والأكراد والتركمان ومختلف العرقيات والديانات، وشخصيا نعرف الكثير من هؤلاء ونثق بعقلهم وحكمتهم وإخلاصهم وهؤلاء قد تكون لهم خيارات،  متفقون على لزوم التخلص من الإحتلال للعراق وقد يختلفوا في تحديد الوسائل فالبعض يختار الوسيلة السياسية والبعض يختار الوسيلة العسكرية ونحن لا نتدخل في خياراتهم، هذا الكلام أزعج البعض. وبطبيعة الحال في الموضوع العراقي هناك فتنة كبيرة، حتى بعض إخواننا في العراق يعتبون علينا وعلى خطابنا السياسي لأنهم يريدون أن يكون خطابنا مطابقا لخطابهم أو ان يكون كلامنا مؤيدا لخياراتهم، نحن نقول هناك أكثر من خطاب وأكثر من خيار في العراق ونحترم كل الخطابات وكل الخيارات ونثق أنّ القوى الحية في الشعب العراقي مصممة وصادقة وعازمة على تحرير العراق ولكن كل له أسلوبه وكل له طريقته ونحن لا نريد أن نتدخل لا في الأسلوب ولا في الطريقة وأهل البلد هم أدرى بما فيه، لكن نحن نتضامن معهم في مواجهة الإحتلال ونتمنّى لهم الخير والهداية والخلاص من الإحتلال. 

هذا هو موقعنا بكل بساطة الذي نقول فيه أنّ حزب الله ليس بديلا عن أحد في هذه الأمّة، ليس حزبا بديلا عن أي حزب ليس فقط في الأمّة بل حتّى في لبنان نحن لسنا بديلا عن أي حزب أو عن أي تنظيم أو عن أي جماعة، ولم نطرح أنفسنا في أي يوم من الأيام على مستوى الأمة حزبا قائدا، للأمة قيادة ولكن في مكان آخر، ليس حزب الله هو الحزب القائد للأمّة حتّى نطلب منه أن يكون في كل مكان وأن يقول كل شيء وأن يتحمل مسؤولية في كل مكان.  نحن متواجدون في الساحة اللبنانية وهذه هي أرضنا وهذا هو بلدنا نعمل في دائرته ونحمل هموم أمّتنا ونحاول أن نكون إلى جانب أمتنا بما نطيق وبما نستطيع ولكن دون أن نصبح بديلا عن أحد. 

لقد حاول الصهاينة في هذا المجال ـ وطبعا لم يستطيعوا تقديم أي أدلة ـ إلصاق تفجير الخبر في السعودية، حسنا من هو الإسم اللبناني، جاؤوا باسم أول لا ثاني له... لذلك أريد أن أقول لكم : في الأيام الآتية ستسمعون الكثير من الصهاينة وستسمعون كل اتهام، حتى لو قتل أحد منا أو استشهد سيقول الإسرائيليون أنّ هناك صراعات داخلية في حزب الله وبدأت التصفيات الداخلية، سوف يلصقون بنا كل تهمة كما فعلوا في 11 أيلول وفي كل مناسبة. لذلك يجب علينا أن نكون حذرين ولا يجوز أن نضلل.

والأهم والأخطر هو ما يعني الداخل اللبناني، الإسرائيليون يستفيدون من مناخ الإنقسام الموجود في البلد، بل المستفيد الأول من أي انقسام وفتنة وضياع في البلد هو إسرائيل وهذا لا يجوز أن يغيب عن أحد. في هذه الأيام العصيبة والقاسية والصعبة التي افتقدنا فيها الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجمعا من المواطنين ولا شك أنّ القلوب ملتهبة والعقول ملتهبة وكما قلت في تلك الليلة، يجب أن نحذر، كل كلمة وكل اتهام وكل موقف وكل إثارة قد تكون لها نتائج خطيرة. في هكذا محنة يجب أن يتحلّى الجميع بالصبر والتريث والهدوء والوعي والحكمة والتعقل حتّى لا نقع في أي فخ، البعض تقودهم تحليلاتهم في اتجاه والبعض تقودهم تحليلاتهم في اتجاه آخر، قد يكون ما حصل قبل أيام فخا كبيرا  نصب للبنان وللشعب اللبناني ولسوريا ونصب للأمّة، من يستطيع أن يجزم ويقول الأمر ليس كذلك، كل الإحتمالات قائمة ومفتوحة، يجب أن نبحث ويجب أن نتروّى. في كل الأحوال الإسرائيليون يستفيدون بقوة من هذا المناخ ولذلك هم يتحركون أوروبيا ودوليا ليقولوا أنّ المقاومة أيضا يوجد حولها انقسام  ويوجد انقسام حول سلاحها وهنا تأتي المسؤولية الوطنية الكبرى التي تقتضي حماية المقاومة.

لقاء عين التينة يرى في المقاومة ضمانة وطنية، وبالحد الأدنى بعض الأقطاب في لقاء البريستول يتحدثون عن حماية المقاومة، جيد. المسألة الرئيسية التي يجب أن تكون واضحة ومفهومة ماذا يعني حماية المقاومة وكيف نحمي المقاومة، هل المقصود حماية الأشخاص، أي نحن نحميك ولا نسلمك للمحاكمة ولا نسمح لأحد بقتلك ولا نرفع الغطاء عنك وتبقى في البلد وتمارس العمل السياسي. هل المقصود بحماية المقاومة أن نأتي لشباب المقاومة أو لحزب المقاومة ونحميهم بمعنى أن لا يتعرض لهم أحد كأشخاص، أمّا المقاومة كمقاومة بتشكيلاتها ومجاهدوها وقدراتها وسلاحها وإمكاناتها الموجودة في الجنوب والموجودة في لبنان والتي تقف في وجه العدوان هذه يجب أن تلغى وأن تحذف وأن تشطب، هل المقصود بحماية المقاومة هو هذا ؟.

بتعبير آخر المقصود بحماية المقاومة أن نلغي المقاومة ونحافظ على من كانوا مقاومين كأشخاص، أو المقصود حماية وجود المقاومة ودورها ووظيفتها، والمقاومة أثبتت أنّ لديها استراتيجية واضحة ومعلنة وتلتقي مع استراتيجية الدولة : لا تريد جر البلد إلى حرب إقليمية، لا تريد فرض خيارات على البلد لا يحملها البلد ولا يطيقها، تمارس مسؤوليتها بهدوء وحكمة وبانتخاب دقيق للزمان والمكان وتحمي البلد في إطار توازن ردعي، لا تمارس أي سلطة في الداخل وأي أمن في الداخل وقد قلت لكل من زارني اذهبوا وتجولوا في الجنوب لن تجد بندقية ولا مسدس ولا جهاز لاسلكي ولا أي مظهر عسكري، المقاومة لا تمارس سلطة ولا حركة استعراض مسلح ولا تتدخل في شؤون الآخرين ولا تعتدي على الآخرين وليست سببا لأي توتر داخلي وهذا واضح.

وبالتالي هل حماية المقاومة أن نحميها في إطار هذه الإستراتيجية أم في تسريحها؟  طبعا نحن نطلب من الوطن أن يحمي المقاومة بالمعنى الثاني ليس من أجل سواد عيوننا بل من أجل أن تحمي المقاومة الوطن إلى جانب الجيش والشعب، ونحن لا نبحث عن أمن شخصي، وكما كان نبينا وإمامنا وسيد شهدائنا في كربلاء وسيد شهدائنا في المقاومة،   أنا وإخواني وأخواتي لا نبحث عن حياة نأكل فيها ونشرب، بل نبحث عن حياة نتحمل فيها المسؤولية، أمير المؤمنين عليه السلام يقول :" أيشغلني أكل الطيبات ولا أشاركهم في مكاره الدهر وأكون أسوة لهم في جشوبة العيش، فوالله ما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المرعية همها علفها (أهم أمر عندها متى يأتي الأكل) أو السائمة (التي ترعى في الحقول) همها تقمّمها تكترش من أعلافها (تعبي بطنها) وتلهو عمّا يُراد بها (وهو الذبح)". نحن لا نريد أن نعيش لنأكل ونشرب ونتنعم ونلهو في حياتنا ونترك وطننا لتذبحه إسرائيل على مذبح أطماعها وشهواتها وأحقادها وثاراتها التاريخية، وبالتالي نحن لا نبحث عن أمن شخصي، بالعكس كل منّا يعيش ساعات أيامه ولياليه وأغلى أمانيه أن يقتل في سبيل الله عز وجل وأشرف القتل أن يقتل الإنسان كما قال الإمام القائد السيد الخامنئي دام ظله عند استشهاد السيد عباس ـ قال: هنيئا للسيد عباس. إنّ أشرف الموت هو القتل وأشرف القتل وأعظم الشهادة هو أن يقتل الإنسان في سبيل الله على يدي أعداء الله قتلة الأنبياء. أن يأتي قتلة الأنبياء ليقتلوا أي واحد منّا فهذا شرف ووسام عظيم نعتز به. نحن لسنا قلقين لا على حياتنا الشخصية ولا على بيوتنا ولا على عائلاتنا نحن قلقون على بلدنا وعلى وطننا وشعبنا وأمّتنا.

في ذكرى سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي وفي ذكرى الشهيدة العزيزة أم ياسر وفي ذكرى الشهيد العزيز حسين وفي ذكرى الشهيد العزيز الشيخ راغب حرب أعلن وفي أيام عاشوراء، إذا كان لبنان والأمة والعزة والكرامة والشرف والحرية والأمن والإستقرار يتطلب مني أو من أي أخ من إخواني أن يقدموا دماءهم وأرواحهم شهداء فنحن جاهزون لذلك، رجالنا جاهزون للشهادة وقدوتهم السيد عباس والشيخ راغب ونساؤنا جاهزات للشهادة وقدوتهم الشهيدة أم ياسر وأبناؤنا وحتى الأطفال مستعدون للشهادة وقدوتهم حسين عباس الموسوي وهذه هي عائلتنا وهذه هي بيئتنا وهذه هي ثقافتنا.

في الذكرى السنوية الثالثة عشر لسيد شهداء مقاومتنا القائد السيد عباس الموسوي وذكرى شيخ الشهداء، وفي أجواء الدماء الذكية لشهداء كربلاء، نقف اليوم لنجدد مع نبينا وأئمتنا وقادتنا وسادتنا وشهدائنا عهدنا والميثاق، أن نواصل هذا الطريق، طريق الجهاد والمقاومة والدفاع عن الوطن والأمّة والكرامة والحرية والعرض والدم ومستقبل الأولاد والأحفاد دون أي تردد أو خوف أو وجل، لا ترهبنا كل هذه الطبول التي تقرع في كل عواصم العالم، منذ البداية كنّأ في هذا الجو وما زلنا في هذا الجو، واليوم نحن مسؤولون أكثر من أي يوم مضى لتنفيذ وصية الشهيد عباس الموسوي، خلال كل الأعوام الماضية كنتم أوفياء في تنفيذ الوصية، المجاهدون في ساحات الجهاد، الداعمون في ساحات الدعم المختلفة، العائلات التي قدمت شهداء وجرحى، الأسرى الذين عانوا ولا زال بعضهم يعاني، ولكن هذه السنة نظرا للظروف المسؤولية أكبر.
قلت في أول ليلة فليكن موسمنا هذا موسم حماية المقاومة، لكنني أريد أن أضيف أيضا بعد الذي حصل ليكن موسم حماية المقاومة وحماية الوطن. لذلك نحن في اليوم العاشر بالرغم من الظروف الأليمة والصعبة التي تحيط بالبلد قررنا في بعض الأماكن مثل بيروت الغربية قررنا أن يُكتفَ بالمجالس هناك والإخوة والأخوات يمكنهم أن يأتوا بعد المجالس للمشاركة في الضاحية. أمّا في الضاحية الجنوبية وفي بقية المناطق كما في الأعوام الماضية سوف تنطلق مسيرات يوم العاشر كما في كل عام، وسوف نخرج جميعا إلى الشوارع المحددة لنسمع صوتنا للعالم. 

أيّها الإخوة والأخوات، هناك في واشطنن وفي تل أبيب وفي أماكن مختلفة من العالم مَنْ يظن بأننا خائفون أو بأن تهويلهم وتهديدهم وإرهابهم قد أصاب قلوبنا ونفوسنا، في يوم العاشر سوف نخرج كبارا وصغارا رجالا ونساءا وجميعنا، سوف ننزل إلى الشارع لنسمع العالم صوتنا كما في كل عام ولنسمع سيد شهدائنا السيد عباس صوتنا بأننا ما زلنا نحفظ الوصية، نحفظها بالصوت وبالحضور الميداني في الشارع وبالمظاهرة وبالبندقية  والدم والمال والنفس والولد. كما في كل عام سيرتفع صوتنا يوم العاشر مدويا بالعبارة التي تلخص كل جهاد وصبر وعزم ودماء وتضحيات وإرادة وحب وأمل :" لبيك يا حسين". 
يجب أن نخرج يوم العاشر لنقول للعالم كله : نحن أقوى من الخوف وأقوى من الموت وأقوى من الإرهاب والتهديد والفتنة، نحن أقوى من الفتنة التي يريدون إشعالها في لبنان، هذه الفتنة سنواجهها بوعينا وصبرنا كلبنانيين جميعا بالحكمة وبالدموع وحتّى لو احتاجت إلى تضحيات دماء، هذا موعدنا يوم العاشر مع كل القيم التي كنّا أوفياء لها وسنبقى أوفياء لها.
السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبد اللله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليكم منّي سلام الله أبدا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم. السلام على الحسين وعلى علي ابن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.