الصفحة الرئيسة القائمة البريدية البحث



الشيخ نعيم قاسم

تصغير الخط تكبير الخط طباعة الصفحة

كلمة الشيخ نعيم في مؤتمر طريق العودة 14-5-2018


في البداية كل التحية للاتحاد العالمي لعلماء المقاومة على هذا الجهد المبارك برئاسة سماحة الشيخ ماهر حمود، الذي يعمل للإضاءة على هذه القضية الحساسة والمفصلية قضية فلسطين، وكذلك كل التحية للشهداء الأبرار والجرحى والأسرى من أبناء المقاومة في كل مكان الذين أناروا دربنا وفتحوا لنا الطريق نحو التحرير.

منطقان يتصارعان: الحق والاستبداد, الهدى والضلال: "وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".  فلسطين للفلسطينيين ويريدها الاستكبار للصهاينة من موقع استبداده ومصالحه. وهنا نحن أمام لغتين مختلفتين: الاستقلال والاحتلال. وأمام حلَّين متناقضين: الوطن والاستيطان، التحرير والاستسلام، نحن في الموقع الذي يريد الاستقلال والوطن وفلسطين والحق، وأمريكا تنطلق من السيطرة والاستبداد ومن الظلم والعدوان وكل مفرداتها تصب في هذا الاتجاه، فالمقاومة في نظرها اعتداء، وقتل الصهاينة للفلسطينيين دفاع، وحق العودة تهديد لإسرائيل، والتوطين حلٌّ مشروع. "أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ".  

هذه المواجهة تتطلب منا أن نعطي وأن نقدم وأن نصبر وأن نتحمل، وهذا يفترض بنا أن نعمل لمواجهة هذا التحدي، وقد عمل الاستكبار لتثبيت الاحتلال منذ النكبة قبل 70 سنة، وعمل لإنهاء فلسطين سياسيًا وثقافيًا وتربويًا وعسكريًا، وظنوا أنَّ الخطوة الأخيرة قد بدأت بكامب ديفيد 1978 في تحييد أكبر جيش عربي في مصر، لمحاصرة الفلسطينيين وإبقائهم وحدهم في الميدان بلا غطاء ولا مدد، وانتهت هذه الخطوة برأيهم باجتياح لبنان عام 1982، حيث رحل المقاتلون الفلسطينيون إلى تونس على قاعدة إقفال ملف الجهاد، ولكنهم فوجئوا أن عوامل عدة برزت مجددًا لتعيد للقضية الفلسطينية زخمها وحيوتها ومنها: 

1- تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وجهاده ورفضه للاستسلام، وهو الذي انتفض بالحجارة والسلاح والتضحيات، وواجه ثلاث حروب على غزة وصمد وكسر عنفوان إسرائيل، وهو يُبدع في أشكال المقاومة بالدهس والطعن وحرق الدواليب والطائرات الورقية المشتعلة والصواريخ المحلية الصنع، وكل أشكال المواجهة بالجسد والصراخ، هذا الشعب بأطفاله وشبابه ونسائه وشيوخه حاضر في ميدان الحرية والتحرير، هذا الشعب لا يمكن أن يُهزم وستثبت الأيام ذلك.

 

2- قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران بقيادة الإمام الخميني(قده) وهي راعية المقاومة وداعمة التحرير، وأول عمل قام به الإمام الخميني(قده) أن حوّل سفارة إسرائيل إلى سفارة فلسطين، ليعلن بشكل واضح أن فلسطين أولوية، وجاء الإمام الخامنئي(دام حفظه) فرعى هذه القضية كأولوية وقال: "إنَّ تكلّيفنا أن نحرّر هذا البلد الإسلامي من سلطة وقبضة القوّة الغاصبة وحُماتها الدوليين، وأن نرجعها إلى شعب فلسطين، إنّ هذا تكلّيفٌ دينيّ وواجب على جميع المسلمين".

3- نشوء حزب الله المقاوم المجاهد في سنة 1982،  الذي لا يساوم ولا يفاوض على الأرض والكرامة، وقد قدَّم التضحيات الكبيرة على خط تحرير فلسطين، وأنجز تحريرًا عام 2000 وانتصارًا بهزيمة إسرائيل عام 2006، وردعًا أوجد توازنًا خلال 12 سنة، وقلقًا إسرائيليًا أعاق عدوانه ساعة يشاء حرصًا منه على جبهته الداخلية، وخوفًا من هزيمة جديدة مدوية.

4- سوريا الصمود والتصدي، كانت حاضرة في الميدان ودعمت المقاومة وشاركت في انتصاراتها وكانت حضنًا داقئًا لهذا الاتجاه العظيم، فحاولوا أن يفتتوها وأن يقضوا على مقاومته، فكان العدوان سنة 2011 من أجل إيجاد شرق أوسط جديد من بوابة سوريا يطوِّق فلسطين والفلسطينيين، ولكن سوريا بقائدها وجيشها وشعبها وداعميها انتصرت على إسرائيل واستطاعت أن تكسر مشروع الشرق الأوسط الجديد من بوابتها. 

إننا الآن في مرحلة جديدة هي مرحلة انتصارات محور المقاومة: وهنا يُطرح السؤال: هل العودة إلى فلسطين ممكنة؟ وهل يمكن تحريرها؟ وهل يستطيع الفلسطينيون وبمساندة محور المقاومة أن يستعيدوا ترابهم؟

قالوا: إسرائيل لديها جيش لا يقهر، ولكن المقاومة الإسلامية قهرته فانسحب ذليلًا من لبنان وهُزم فيها, ولم يتمكن من غزة ثلاث مرات.

قالوا: إسرائيل مدعومة من أمريكا والعالم، وهي قادرة على رسم حدود دولتها، ولكن المقاومة ومحورها أعادوا إسرائيل إلى القلق الأول, فهي بلا حدود، وإن شاء الله لا تُرسم لها حدود.

قالوا: إسرائيل تستقطب دولًا عربيًا للتطبيع معها والاعتراف بها، ولكن هذه الدول كانت دائمًا عبئًا على القضية الفلسطينية، نفطهم عبءٌ على فلسطين، إماراتهم عبء على فلسطين، عروشهم عبء على فلسطين، وعلى كل حالة ستكتشف إسرائيل أنهم عبء عليها فلن يزيدوها إلا تبارًا وخسارة.

قالوا: إسرائيل قوية بسلاحها، ولكن الفلسطينيين أقوياءٌ بإيمانهم وحقهم, ومن كان كذلك سينتصر يومًا على الحديد الذي تحمله الأيادي الصهيونية الجبانة.

نحن الآن في مرحلة جديدة، هي مرحلة الانتصارات، انتصارات محور المقاومة، في فلسطين وبيت المقدس وأكناف بيت المقدس، انتصارات في مواجهة الصهاينة مباشرة، وانتصارات في مواجهة أياديهم التكفيرية الذين يعملون لهم، وانتصارات في مواجهة أمريكا ومن يرعى هذه الاتجاهات الخاطئة، لم ينجحوا في محطتين كبيرتين لتكريس الشرق الأوسط الجديد عام 2006 من بوابة لبنان وعام 2011 من بوابة سوريا.

نحن واقعيون، لا نعلم كم تطول هذه المرحلة، لكن نهايتها التحرير إن شاء الله تعالى، وهدفها فلسطين من البحر إلى النهر غير منقوصة أبدًا، ومستقبل المنطقة من المحيط إلى الخليج نريد أن يصنعه شعوبها، ومستقبل العالم إن شاء الله سيكون من دون أن تتمكن أمريكا من التحكم به بل لها منافسون فيه وشركاء، إن المطلوب منا أن نثبت ونقاوم.

الواضح أن ترامب يأخذ العالم إلى حافة الهاوية ثم يقف عندها فجأة، كالجبل يتمخض فأرًا، وهو بذلك يبتز اللاهثين للمحافظة على عروشهم، ولكنه لا يهز صمود المقاومين المتمسكين باستقلالهم وأرضهم، مهما هدَّد ترامب ومن معه فالمقاومة وجبهتها بالمرصاد.

لا خوف من التهويل الدولي، ولا استسلام أمام إسرائيل، بل مواجهةٌ مفتوحة بلا حدود مهما كانت التضحيات، فلا مساومة على الأرض والكرامة، ومحورُ المقاومة ماردٌ انطلق ولن يدخل إلى قفص المذلة والتبعية.

هنا أود أن أطرح مجموعة مقترحات أتمنى أن نتمكن من تحقيقها:

أولًا: ندعو إلى وحدة الفصائل الفلسطينية، ولو بالحد الأدنى، وأن نسعى إليها ولو واجهتنا عقبات، على الأقل لتبرأ ذمتنا بأننا قمنا بما علينا لنوحد جهودنا في مواجهة إسرائيل.

ثانيًا: استقطاب أوسع شرائح شعبية مثقفة وشبابية على امتداد العالم العربي والإسلامي وفي العالم الأرحب حول مشروع المقاومة.

ثالثًا: الاستفادة من المقاومة بأشكالها المختلفة، مهما كانت الإمكانات قليلة فالنصر للحق: "وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ".

رابعًا: رفض التسوية بعناوينها ومندرجاتها، فتسوية السلام أو حل الدولتين أو أي شكل من أشكال التسوية مرفوض تمامًا لأنه يتنزع جزءاً من فلسطين للصهاينة، وبالتالي كل هذه التشريعات توصل إلى تشريع الكيان الصهيوني وإنهاء فلسطين، نحن نريد أن تبقى فلسطين هي القضية الحيَّة بكل أشكال المقاومة, "وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ".

خامسًا: اعتبار المقاومة بوصلة الاتجاه السياسي الصائب مهما كانت التفاصيل المحلية, ولكل أشكال التجمعات والتكتلات الحزبية والشعبية والمهنية.

سادسًا: جعل المقاومة هي العنوان، وليس اللون أو المذهب أو البلد أو الحزب، نجتمع جميعًا حول المقاومة كأولوية وعندها ننجح بإذن الله تعالى.

سابعًا: رفض التطبيع الذي تقوم به بعض دول الخليج والذي يعتبر مؤازرة للاحتلال وتخلٍ عن فلسطين, والشعوب العربية مسؤولة عن محاسبة حكامها من أجل أن تمنع هذا الانحراف الواضح عن القضية الفلسطينية.

إن محور المقاومة هو محور تشكل من دون هيكلية تنظيمية، هو محور تشكل تحت عنوان المقاومة ومواجهة إسرائيل، وعلينا أن نساند ونؤيد ونناصر الشعب اليمني في جهاده والشعب البحريني في معاناته، وكل شعوب المنطقة التي تعاني، وأن نؤيد ونناصر الشعب العراقي في مشروعه المستقل، والشعب السوري في مشروعه التحريري، ولبنان في استقلاله وعطاءاته.

كل نجاحات محور المقاومة نجاح لفلسطين، وقد سمعتم واطلعتم كيف جرت انتخابات لبنان التي واجهها الاستكبار وبعض الدول العربية من أجل إسقاط ممثلي المقاومة ومنعهم من الوصول إلى البرلمان، ولكن الحمد الله أُنجزت انتخابات لبنان بقوة وعزيمة، وأصبح المجلس النيابي القادم أكثر فعالية والتفافًا حول استراتيجة المقاومة وهذه قوة حقيقية وانتصار سياسي لمصلحة مشروع المقاومة.

ليكن معلومًا إن جهوزية المقاومة في لبنان هي التي وفرت الحماية من العدوان الإسرائيلي الذي يحسب ألف حساب للرد على أي اعتداء, مقاومتنا للتحرير لا للمساومة, جربتنا إسرائيل وتعلم ما سيصيبها إن اعتدت، وبالتالي الخيار لديها ولدينا خياراتنا الواضحة للمواجهة إن فكرت بذلك.

لم يعد بمقدور العدو أن يضع قواعد الاشتباك التي تناسبه, ففي سوريا كان الرد على مواقع إسرائيل في الجولان تأكيدًا لتوازن الردع وجهوزية الدفاع والمواجهة.

إننا اليوم في زمن الانتصارات نتابع ونعمل ونجاهد، وكلنا أمل أن نصل إلى المستقبل، لن يضرنا أن تقرر أمريكا بأن تنقل سفارتها إلى القدس فهذا قرار من جانب واحد لن يوافق عليه الفلسطينيون، وبالتالي لا قيمة لقرار لا يقبل به أهله، وهذه النكبة التي حصلت منذ 70 سنة إن شاء الله تعالى ستكون دافعًا من أجل التغيير ومن أجل التحرير ومن أجل المقاومة.